كان المؤتمر الاجتماعي، الذي عقدته الأمم المتحدة في الدنمارك عام 1995، قد أعطى مثالًا جليًّا لطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة [في الدول النامية]. فقد تسلمت وزارة الخارجية الدنماركية طلبات لا تعد ولا تحصى من وفود الدول النامية طلب منها أن تحجز لها أرقى الأجنحة في أفخم فنادق العاصمة. حدث هذا، وإن كان المطلوب من المؤتمرين أن يناقشوا الأساليب المحتملة التطبيق لمكافحة ما في العالم من فقر وحرمان وبؤس وشقاء.

«في قارات الثروات، في أفريقيا، تعني الهيمنة على السلطة الهيمنة على الخيرات أيضًا»، بحسب ما كتبته غابي مايو ( Gaby Mayr ) في سياق مراجعتها غيرهارد هاوك الموسوم «المجتمع والدولة في أفريقيا»:

«فالهيمنة الاقتصادية والهيمنة السياسية تتشابكان على أمتن ما يمكن أن يكون عليه هذا التشابك. فالدولة، باعتبارها المؤسسة الحيادية في الصراع المحتدم بين فئات المجتمع المختلفة، موجودة، فقط، في الكتب المدرسية المختصة بالعلوم السياسية. فواجب السلطة القضائية وجهاز الشرطة يكمن في تسهيل فرض مصالح معينة. فمن يفلح في المشاركة في السلطة أو حتى في تقلد وظيفة متقدمة في الجهاز الحكومي، يشارك، في الواقع، في قطف ثمار الخيرات التي تدرها المناحي الاقتصادية، بدءًا من قطاع النقل وانتهاء بمعونات التنمية التي تمنحها الدول الغنية…» ويعرب تيلود بودا (Thilo Bode )، المدير السابق لمنظمة «السلام الأخضر»، عن رأي مشابه، إذ إنه يقول:

ومن مساوئ الأمور أن المعونات التي تقدمها حكومات الدولة الغنية مصممة تصميمًا يجعل منها دعمًا ماليًا يتدفق بلا انقطاع لمصلحة الطلائع المهيمنة على السلطة والجهاز البيروقراطي. ففي النظم الاستبدادية، وفي الدول الأفريقية القائمة على الروح القبيلة على وجه الخصوص، فإن الأموال التي تتبرع بها حكومات الدول الغنية إلى الحكومات الأخرى تتوزع على القبيلة القريبة من السلطة أولًا وأخيرًا، ولعل من مسلمات الأمور أن لعدم المساواة في توزيع هذه المعونات المالية آثارًا وخيمة جدًا على مصير هذه البلدان.

«فعدم المساواة في التوزيع تسبب في اندلاع الكثير من الحروب الأهلية. ففي الصومال، على سبيل المثال، كانت قبيلة الرئيس السابق سياد بري قد سلبت البلاد خيراتها طيلة مدة حكمه، ولم تكف عن ذلك إلا بعد أن أعلنت التمرد عليها قبيلة أخرى. وكذلك الأمر في بوروندي، فهناك أيضًا استولت قبيلة واحدة، قبيلة التوتسي (Tutsi)، على المعونات الأجنبية، فحجبتها كلية عن السكان الريفيين عامة وعن قبيلة الهوتو (Hutu) على وجه الخصوص. وليس ثمة مجال للشك في أنه كان لهذا النمط في توزيع المعونات الأجنبية دور لا يستهان به في اندلاع الحرب الدامية بين القبيلتين. إن قائمة هذه المساوئ طويلة لا نهاية لها فعلا».

فهل ساهمت تلك المواقف الأيديولوجية في إعاقة السياسة الاقتصادية عن توجيه الاقتصاد الوطني وعن وضع الضوابط لمسيرته؛ وأوجدت علاقة بين المعونات والمعايير الاجتماعية ما بين (القبيلة والمؤسسة):

«في سياق مبادرة قامت بها مؤسستان سويسريتان (مؤسسة إعلان بيرن ومؤسسة خبز من أجل المستقبل)، جرى استطلاع رأي النقابات العمالية في الجنوب والشمال بشأن موقفهم من المعايير الاجتماعية. وكان تطبيق المعايير الاجتماعية قد تسبب، في سياق مفاوضات الجات في عام 1994، في احتدام الجدل بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية القادمة من الجنوب، وذلك لأن هذه كانت ترى أن المعايير الاجتماعية ليست سوى صيغة خفية من صيغ حماية التجارة، صيغة تستخدم المعاني الإنسانية ذريعةً لسلب دول العالم الثالث مزاياها النسبية في التجارة الخارجية.

بيد أن الدراسات توضح بجلاء أن كل المجموعات، التي تم استطلاع رأيها، قد أكدت أنها تكافح من أجل تطبيق هذه المعايير يمكن أن تكون عونا لعودة العلاقات التجارية إلى مجاريها الطبيعية، ووسيلة لتعزيز قوة الفئات العمالية في عالم الجنوب. وتبين كل المؤشرات أن من الضروري جدًا ربط شرط وجود دولة الرعاية الاجتماعية بشرط المحافظة على سلامة البيئة، وذلك بسبب الترابط المتين القائم بين كلا المبدأين».

ومع هذا:

«لا مندوحة من تطبيق هذه المعايير الاجتماعية على مستويات مختلفة: عالميًّا وإقليميًا وثنائيًا وفي الشؤون الخاصة، والأمر الواضح هو أنه ليس ثمة بد من أن تتخذ هذه المعايير صيغًا مختلفة باختلاف المكان والمؤسسات المعنية. فالأوضاع الاجتماعية السائدة في الفلبين هي ليست الأوضاع ذاتها السائدة في الكاميرون أو البرازيل».
ما دفعني لكتابة هذه التدوينة هي أثناء مشاهدتي لعرض فيلم «Loving Pablo» أو (في حب بابلو) من بطولة النجمين خابيير بارديم وبينلوبي كروز ومن إخراج فرناندو ليون ارانوا؛ حيث وجدت فيه من الإثارة والتشويق لدرجة جعلتني أصل لحقيقة مفادها أن من واجب الدول أن تحدد لنفسها الخلطة المثلى للانفتاح والحماية. فهذه الخلطة تختلف اختلافًا كبيرًا من اقتصاد إلى آخر. كما أنها في تغير مستمر عبر الزمن. ولهذا السبب كانت حبكة الفيلم تتمحور حول أنه لا يجوز فرض الانفتاح أو الحماية التجارية على دول العالم من خلال قرارات وقواعد وترتيبات تنبع من توجهات أيديولوجية معدة مسبقًا و مستنتجة من تحليل نظري / درامي ينطلق من شروط لا وجود لها على أرض الواقع.

إلا أن محاولة حل المشاكل الاجتماعية من خلال النمو الاقتصادي تطلع لا جدوى منه. فمن لا يرد انتظار مواعيد «عرقوب» فلا مندوحة له من أن يركن إلى سياسة اقتصادية تسعى إلى حل المشاكل المختلفة مباشرة، أي بمنأى عن استثمار مالي يراد منه تعزيز النمو الاقتصادي. فليس هناك ما يشير إلى أن الشروع في هذه الاستثمارات سيعيد إلينا النمو الاقتصادي الخطي الذي تنعمنا في ثماره في الأيام الخوالي.

فمن وجهة نظر التعددية الثقافية لا يمكن لأي واحد من المواقف المتطرفة التالية أن يتسم بالصواب: لا الاعتقاد بضرورة غلق الحدود أمام بضائع الدول الأخرى، ولا الاعتقاد بأن إزالة كل العوائق والقيود التجارية وعمق هذه الحماية أمران لا يمكن البت فيهما بنحو مطلق، بل مختلفان من حالة لأخرى، وذلك على ضوء الظروف الموضوعية الخاصة بالبلد أو الإقليم المعني. فتطبيق «قاعدة واحدة» على الجميع خطأ جسيم وسلوك ضار بكل تأكيد. من هنا، وبقدر تعلق الأمر بالحماية التجارية، لا مندوحة من التخلي عن القواعد الشمولية وإعادة حق اتخاذ القرارات الخاصة بالحماية إلى عهدة الدول والأقليات والأقاليم المختلفة.

بمعنى أن هناك دوافع / روافع مشتركة مبنية على – التعددية الثقافية – وعلاقتها بالمعايير الاجتماعية والمؤسسات الاقتصادية والتنموية والتعليمية: «فلما كانت أعراف الغجر لا تقدر قيمة التعليم وأولياء الأمور يعتقدون أن بإمكانهم تعليم أطفالهم تعليميًا مرضيًا من خلال التعليم غير الرسمي بالطرق الخاصة بثقافة الغجر، فقط الأطفال هم الذين يتلقون أي نوع رسمي من التعليم».

غير أنني أرى وفقًا لحجتي أن حرية الارتباط والعيش وفقًا لأسلوب معين والتي يتمتع بها أولياء الأمور سوف تجعل من ذلك أمرًا مسموحًا به؛ مثل دوافع الأفراد المنخرطين في أيّ مشروع جماعيّ ومؤسّسيّ، دوافع معقدة للغاية ومتغيرة وغير نهائيّة للتحديد كذرائع سياسيّة بسيطة. ويعتمد ذلك بدوره على نظام الحكم ونضجه السياسي، بل لجهاز الحكم بصورة عامة (Governance Good) لا سيما أن التسويق المحلي يكون أكثر عرضة للتأثيرات السياسية المحلية. وإذا كان الهدف تأسيس شركة متينة قادرة على منافسة الشركات الدولية خارج البلد فإن ترخيص عديد من الشركات الوطنية قد يعرقل هذه الرؤية على مستوى البنية المؤسسية مع تراجع الرخاء النسبي للطفرة النفطية وتطبيق سياسات النيوليبرالية، لا جزء من تناقض اجتماعي ضمن بنية إنتاجية؛ لأن البنية الإنتاجية أضعف وأكثر هشاشة وهامشية من أن تنتج صراعًا اجتماعيًا «إنتاجيًا» (أي اعتراض توزيعي-إنتاجي أو أوّلي على مستوى البنية الإنتاجية) من الأساس!

للتأمل:

«ولكنك عبد لمن أحببت لأنك تحبه، وعبد لمن أحبّكَ لأنه يحبك» *جبران خليل جبران

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد