كل ما يمتُّ للكتب بِصلةٍ يُبهجني، قراءتها وترشيحها للأصدقاء واقتناؤها وترتيبها، غير أنني اكتشفت لذة أخرى أعظم وأجمل، ولا تقل بأية حال عن ما ذكرته، ألا وهي صداقة بائعي الكتب، والتعرف عليهم، وأن تصير معروفًا بالنسبة لهم، وما تصير إلى تلك الحالة، إلا بكثرة ترددك، عليهم وإظهار شغفك بالكتب لهم، ومحاولة الاستفادة من خبرتهم في عالم الكتب، ومساعدتهم لك في أن تجد ضالتك المنشودة من الكتب التي تريدها، توفيرًا للوقت والجهد في أن تبحث بمفردك، وقد تضلُ أو تَملُّ، لذا فصداقة بائعي الكتب خيرُ ما يحصلُ للمرء في عالم القراءة، وبها تصير حياة القارئ أفضل نوعًا ما.

ليلة يوم الاثنين الموافق الأول من مايو (أيار) عام 2017، شاهدت فيلمًا وثائقيًا – مشكورة قناة الجزيرة الوثائقية؛ لما تتحفنا به من أفلام – عن سور الأزبكية بالقاهرة، وما مرَّ بالسور من أحداث، وبداية نشأته، وكيف تجمَّع الباعة كلهم في مكان واحد؛ حتى صار المكان معروفًا بهم وببيعهم للكتب، تحدث في الفيلم مثقفون كُثر، منهم: حلمي النمنم، وجمال الغيطاني، وشعبان يوسف، وآخرون، غير أن البطل الرئيس للفيلم كان عم حربي، فهو أقدم بائع للكتب في سور الأزبكية، ورث المهنة عن والده التي ورثها عن جده، شعرت بحنين ما يشدني لذلك الرجل، قد يكون شغفه بالكتب، قد يكون ألفة حديثه وانطلاقه بالكلام، أمرٌ ما جعلني أحب هذا الرجل، وودت لو جالسته.

صبيحة يوم الاثنين كنت قد ضربت موعدًا مع أحد الأصدقاء على مقابلته في سور الأزبكية؛ ليشتري كتابًا ما، وأجد ضالتي في كتب حكاء المهمشين: خيري شلبي، حللتُ بالسور ضيفًا كريمًا،وهلَّ على قلبي عم حربي، رأيته جالسًا يرتدي جلبابه والنظارة الطبية، أقبلت عليه إقبال المحب العاشق على شيخ الطريقة في عالم القراءة، استوضحت اسمه فأجابني بأنه هو المقصود، رويت له حالي مع الفيلم بعدما شاهدته، والذي دفعني لأن أجلس إليه.

مرت ساعتان تقريبا في صحبته لم أشعر بهما من لذة كلامه، وطيبة قلبه الذي دفعته لشراء شراب العرقسوس لي ولصديقي كنوع من الضيافة،الأمر الذي واجهته بحبورٍ عظيم، سألته – تبديدًا لحرجي وانقطاع الكلام عنَّي – ماذا لو طُلب منه انتقاء عشرة كتب تكون أنيسته في وحدته، فاختار الثلاثية، والحرافيش لنجيب محفوظ، ثم كتابي (الله)، وسارة للعقاد، وكتابًا سياسيًا عن أية فترة، بشرط ألا يكون منحازًا لنظام، أو شخص يكون حياديًا، ثم تاريخ الجبرتي، وكتابين لمصطفي محمود: شلة الأنس، وأينشتين والنسبية، ومطبوعة مصرية قديمة: المصور مثلًا، وكتابًا آخر نسيته؛ تلك عشرةٌ كاملة.

صورة مع عم حربي

( صورة مع عم حربي )

كان آذان الظهر قد رُفع، فذهبنا نصلي وعدنا بعد الصلاة؛ لأسمع منه أسبابه لاختيار الكتب السابقة، فقال: إن الأستاذ نجيب محفوظ قد شرحَّ المجتمع المصري والشخصية المصرية في الثلاثية والحرافيش، أما العقاد فهو كاتبه المفضل ويعتبره على رأس الكُتاب، ويحب كل أعماله، كانت هذه تقطة محورية بالنسبة لي، كيف يحب العقاد وهو المعروف بقوة فكره وصعوبة أسلوبه وعلو منطقه وتحليله للأمور كلها، فزاد دهشتي دهشة بأنه لا يقرأ لطه حسين، ويخشى كتبه حتى الآن، والسبب أنه حين يمسك بكتاب للدكتور طه، يتمثل أمامه حيًا كأنه يرأه، فيترك الكتاب ولا يقرأه، تذكرت كيف أنني أنطق أسماء الكُتاب كلهم بلا لقب يسبقهم، إلا أنني أقف أمام طه حسين، وأسبق اسمه بلقب دكتور، هكذا تلقائيًا.

عم حربي، بالرغم من أنه أقدم بائع للكتب بسور الأزبكية، إلا أنه لم يُعلَّم أيًا من أبنائه مهنة الاشتغال بالكتب؛ لصعوبتها، وعدم رغبتهم فيها، وقلة جدواها حاليًا، لم يعد أحد يقرأ كالسابق، وزحف الباعة الجائلون على السور كالجراد؛ فاحتلوه، وتآكلت مساحة الكتب، وزادت مساحة الملابس والأطعمة ولُعَب الأطفال، في مقابل كتب اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة، أخوف ما يخافه عم حربي أن يهدم السور، أو ينقل إلى مكانٍ أخر، كما حدث سابقًا أربع مرات، على الرغم من وجود تراخيص معهم؛ لأنهم أغبياء ويفعلونها، يقصد الحكومة والمحافظة!

في إحدى تلك المرات، أمرت الحكومة كل صاحب مكتبة بالتوقيع على شيك بقيمة ثمانين ألف جنيه، المفترض أنهم استلموها ليتم تجديد المكتبات، لكن الأمر وما فيه أن ذلك كان على الورق فقط، أما الحقيقة، فإن المحافظة قد استولت على تلك المبالغ، وأسندت تجديد المكتبات إلى شركة تدعي: أغاخان للمنتجات الثقافية، معروفة بتطويرها الأماكن التراثية والثقافية مجانًا وبلا مقابل، فأنشات الشركة المكتبات الموجودة حاليًا بالسور بالزخارف الإسلامية، وعناوين المكتبات بالخط العربي، ومن خشب ضعيف جدًا يسهل فكه، والفواصل بين مكتبة وأخرى جدارٌ مشترك، كنت أخشى بعد ما سمعته من أن تصاب الكتب بالبلل من مطر، فقال إن ذلك حدث، وذهبوا إلى قسم الشرطة ليسجلوا الواقعة، فقامت الشركة بوضع غطاء بلاستيكي سميك فوق أسطح المكتبات؛ لمنع تسرب الماء مرة أخرى!

( صورة أخري مع عم حربي ) .

الجلسة مع عم حربي طالت واستمتعت بحديثه، خاصة أنه يتفرع في أمورٍ عديدة، ثم يعود بك إلى أصل الموضوع، ممسكًا بخيوط الحديث، كحكاءٍ ماهر لا يُخشى عليه التشتت، ويخشى عليك أنت كمستمع من الدهشة، روى لي فيما رواه عن اندثار عادة القراءة بين الناس حاليًا مقارنة بالسابق، قد لاحظت ذلك، وأنا أجالسه لمدة ساعتين أو أكثر، لم يسأل أحد عن كتاب، إلا رجلٌ ملتح، سأل عن: قواعد اللغة العربية لفؤاد نعمة، حكى لي كيف أنه سمع شابين ينهر أحدهما الآخر، غاضبًا من إحضاره لمكان فيه كتب، وبإجراء استطلاع رأي معه عن أكثر ما يلاحظه بين القراء وذوقهم المعرفي، فقال إنه نادرًا أن يأتي شخص للسور بدافع المعرفة العام، وأن أغلبية من يذهب للسور يذهب لاقتناء كتاب معين مهتم بموضوع دراسته، أو قارئ لأدب الشباب، والرعب، أو رب أسرة يبحث عن الكتب الدارسية الخارجية لقلة ثمنها في السور عما عداه.

كنت قد حدثته عن اهتمامي الثقافي، وعما أحبه من الكُتاب والكتب، وأني أبحث عن كتابين منذ زمان بعيد، أولهما:  أوراق العمر للويس عوض، والآخر: مع المتنبي لطه حسين، لمعت عينه فجأة، وقال لي: أنت مجرم قراءة! وأشهد الله بأنني سأحيا ما أحيا وأعيش ما أعيش وتظل جملة عم حربي أمتع ما قيل لي وأبهجه بعد جملة شيخي في حلقة النحو بأني قارئٌ ممتع.

لم يكن معقولًا أن أذهب سدى بعد حديثي الشيق مع عم حربي، دون اقتناء الكتب، فوجدت عنده كتاب: تهذيب الحيوان للجاحظ، بتحقيق العلامة عبد السلام هارون، وكتاب تراث الغناء العربي بين الموصلي وزرياب وأم كلثوم وعبد الوهاب، للأستاذ كمال النجمي، وكتاب عن الشاعر كامل الشناوي بعنوان فرعي: آخر ظرفاء ذلك الزمان، للأستاذ يوسف الشريف، وكتاب عن مي زيادة، بعنوان فرعي: أسطورة الحب والنبوغ، تأليف نوال مصطفى، وكتاب نقوش على زمن، بعنوان فرعي: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي، للأستاذ سمير غريب، وكتاب في النثر العربي للدكتور حسين نصار، وثلاث روايات صغيرة مجمعة في كتاب واحد لم أسمع عنها سابقًا للأستاذ علاء الديب ، والختام كان مسكٌ مع العدد التذكاري الذي أصدرته الهيئة العامة لقصور الثقافة بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الدكتور زكي مبارك.

انقضت جلستي مع عم حربي، ولم تنقض متعة حديثه داخلي، ولا ألفة لقائه، وستظل تلك الجلسة أفضل ما مررت به ووقفت عنده، المشكلة العويصة أن عم حربي يفتح مكتبته لمدة أربعة أيام فقط من الاثنين إلى الخميس، ومن الساعة السابعة صباحًا حتى بعد صلاة العصر، ثم يعود أدراجه إلى بيته، فاغتنموا عم حربي، واجلسوا معه، واسألوه عن الكتب، واستخرجوا دفائنه؛ ليحدثكم عنها، فالعمر قليل، والأيام الجميلة والأشخاص العظيمة يجب اقتناص فرصة معايشتهم ومحادثتهم، إذا ما استطعنا إليها سبيلًا، أما عني فأإي قد نجوت في عام 2017 بزيارة عم حربي، وربما عمري كله وأنا لا أدري.

هامش خارج السياق:

في حالة صعوبة قيامك بزيارة عم حربي، فأرجوك لا تحرم نفسك من مشاهدته في الفيلم الوثائقي عن سور الأزبكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد