في لحظة صفاء مع النفس لمست شعورًا غريبًا؛ إن حصيلة شقاء سنوات في أحداث يناير وما تلاها على المستوى العام، أنتجت تماما عكس المطلوب، وكأن ما حدث ليكون السيسي «العسكري» رئيسًا.

ستجد في النهاية أن حصيلة ما توصلنا له رئيس عسكري، النظام القديم لم ينتهِ، تم حذف أكبر فصيل في مصر، تهميش الشباب، كراهية “لفظ” 25 يناير مهما عبرت حناجر عن حبها الشديد وتقديرها، محاكمات لكل من عارض أو خرج ولكل صوت، فقدنا أبسط الحقوق وهو حرية النزول للشوارع للتعبير عن الرأي، غلاء أسعار.
على وجه آخر، من منا لم يسمه الضرّ، فقدنا الأصدقاء والأحباب، إصابة الكثيرين بعاهات مستديمة، وغيرهم من أصيب بأمراض عضوية، وغيرهم من أخذ قرار الانتحار، ومن تذوق العلقم على بلاط الزنازين.

لو قمت بحساب الأمر بشكل عملي “بالورقة والقلم” بدون شعور، ستجد أن أحداث يناير كانت نكسة، وكل ما تلاها كان نكسة، على المستوى الأخلاقي والسياسي والديني.
دعني أنبئك بالبشرى، لقد اكتشفنا أن “مصر” أو “الشخصية المصرية” والتب سأفرد لها مقالاً آخر؛ مصابة بعاهة مستديمة، عاهة لن تنتهي أبدًا، عاهة متأصلة متجذرة، عاهة “المواطن المصري” المشوه على مدار التاريخ.
لا تتعجب من قولي أنها بشرى وإن ذكرت العكس، أنا أقصد أن أولى طرق العلاج هي الوقوف على طبيعة الحالة.

دعني أنبئك ببشرى أخرى، بالتأكيد لاحظت أني أردد كلمة “أحداث يناير” ولم أذكر “ثورة” أو “انقلابًا” أو “انتفاضة” أو “نكسة”، فقط أحداث.

الثورة:

التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثةً للثورة هو التغيير الكامل لجميع المؤسسات والسلطات الحكومية في النظام السابق، لتحقيق طموحات التغيير لنظام سياسي نزيه وعادل ويوفر الحقوق الكاملة والحرية والنهضة للمجتمع. والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم.
انقلاب:

إزاحة مفاجئة للحكومة بفعل مجموعة تنتمي إلى مؤسسة الدولة – عادة ما تكون الجيش – وتنصيب سلطة غيرها مدنية أو عسكرية، يعدّ الانقلاب ناجحًا إذا تمكّن الانقلابيون من فرض هيمنتهم، فإذا لم يتمكنوا فإن الحرب الأهلية تكون واردة.

نكسة:

تعني لغويًا “إخفاقًا أو هزيمة أو انكسارًا” وتعني سياسيًا من وجهة نظري، السقوط من وضع سياسي لوضع أسوأ نتيجة عوامل مفاجئة يصعب السيطرة عليها على المدى القريب.

مؤامرة:

محاولة لشرح السبب النهائي لحدث أو سلسلة من الأحداث (السياسية والاجتماعية أو أحداث تاريخية)على أنها أسرار، وغالبًا ما يحال الأمر إلى عصبة حكومية متآمرة بشكل منظم هي وراء الأحداث، كثير من منظمي نظريات المؤامرة يدعون أن الأحداث الكبرى في التاريخ قد هيمن عليها المتآمرون وأداروا الأحداث السياسية من وراء الكواليس.

كل التعريفات السابقة حسب موقع ويكيبيديا، وهي المستخدمة في البرامج وعلى طاولات المفاوضات وفي العقول.

دعني أخبرك بالبشرى والحقيقة، أو التعريف المصري لأحداث يناير 2011

ثورة:

لكل من ثار على نفسه، لكل من أدرك التغيير في نفسه، لكل من وصلت نفسه لمرحلة التحول، لكل من تشبع من التحول، ثورة لأني أكتب لكم الآن، لولاها ما كتبت، لن تنتهي إلا حينما نصل لما أردنا.

انقلاب:

لا محل لوجود كلمة انقلاب هنا من الأعراب، لأن الانقلاب يتم من “الجيوش” على الحكومات وفي مصرنا العزيزة، الجيش ما خرج إلا ليحفظ وضعه ووضع رجاله أولا، وينميه ثانيًا، قفز مثل غيره كأنه حزب سياسي ليقضم أكبر قطعة ممكنة من الطبخة، ولن أغفل حقيقة كونه العمود الفقري للدولة.

نكسة:

هي نكسة لكل أصحاب المصالح، لكل زبانية النظام المحال للتقاعد، نكسة لكل المتجبرين، لكل هؤلاء الذين أكلوا وشربوا وتغذوا على المصريين، نكسة حتى لهؤلاء البسطاء الذين فقدوا أعمالهم وفقدوا أحباءهم، لهؤلاء المصابين والثكالى.

مؤامرة:

هذا هو الأمر المضحك، المؤامرة لن تخرج هنا إلا عن واحد من اثنين، أو بمعنى أدق هم اثنان مجتمعين.

الأول:
“حمار” أو “مستضعف” أو “عبد” لا يحيد عن الطريق، حتى أنه لا يعرف إلى أين يؤدي الطريق، لم يسأل ولم يفكر أن يسأل، فقط يعيش، يأكل ويشرب وينام وينجب ويموت، وفجأة شاهد الإعلام يتحدث عن مؤامرة “فآمن”، ثم عن نجاح ثورة “فآمن” ثم عن نجاح ثورة أخرى “فآمن”، هو المواطن المؤمن بكل شيء طالما أنه يأكل وينام ويتزاوج ويموت.
الثاني:

هو الأمر المضحك هنا، فلو أخذنا بنظرية المؤامرة جدلاً، أي أن القوى الخارجية تكالبت كلها على مصر، حتى تسقطها وكان الشعار هو العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

هذا يعني أن النظام الحاكم كان جزءًا من تلك المؤامرة، فلولا شعور المواطنين بالفقر والفساد والظلم الذي فاق تحملات “الشعب الصبور” لما خرج، وكل ما سبق لم يحدث من تلقاء نفسه، وإنما حدث بسبب إما سوء إدارة أو عن عمد، مما يعني أن النظام الحاكم كان السبب في تنفيذ مؤامرة القوى العالمية، وهذا يعني القيام بفعل إيجابي أو الامتناع عن القيام بفعل من شأنه التسبب في تغليب مصلحة طرف على آخر.

 

طبعًا لن ننفي فكرة التدخلات الخارجية، ولكن لن نوسع في الأمر، فما من دولة في العالم تعيش في الظل.

انظر من حولك كم من الشباب تحول نفسيًا وفكريًا، كم من الناس أصبح له رأي ووعي سياسي أو كتم، كم من الطاقات خرجت، انظر لنفسك أنت موجود.

تعريف أحداث يناير الحقيقي بداخلك أنت، اسأل نفسك، هل تغيرت؟ هل ندمت؟ هل انتهى الأمر؟

أنت الجواب، وليست المصطلحات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد