كمن يستقبلون الموت بحفاوة العارفين، هكذا يظهر لوركا في مشهدية موته الأخيرة، تُصوَّب نحوه البنادق فلا يعبأ بالرصاص، وتستمرُّ شعريته الناعمة بالتدفّق وهو في لحظة النهاية، وكأنّها تهزأ بسَحنات قاتليه الخشنة، وتسخر من صلادة النظرة في عيونهم الخالية من الوهج والبريق.

فيديريكو غارسيا لوركا، شاعر إسبانيا وشهيدها، شهيد الحرف. في فجر التاسع عشر من أغسطس عام 1936 انهارَ جسده، وسقط ببضع رصاصات أُطلقت عليه من قبل بنادق كتائب الانقلابي فرانكو المجرمة، وعلى الرغم من تعدّد القصص والروايات التي يُذكر فيها الكيفية والأسباب التي قُتل من أجلها، إلا أنّه في كلّ مرّة تعود فيها ذكرى اغتياله في ذلك الفجر الأغسطسي الكئيب يغرقُ ذهني في بحر التساؤلات المستوحاة من متن القصائد المعاصرة: لماذا يخافُ الطغاة من الشعر والأغنيات بهذه الطريقة التي تدفع بهم إلى إعدام شاعرٍ ببضع رصاصاتٍ آثمة يُقصَد منها كتم صوته قبلَ نفسه؟ ويتبعها عدة تساؤلات تتعلّق بتفاعلات السياقين الشعري والسياسي؛ عن الحدّ الفاصل بين الشعري والسياسي؟ وعن من مِن الشِعري والسياسي يخدم الآخر؟ وعن حقيقة الأصوات التي تدعو إلى التعاطي مع السياقين باعتبارهما سياقين منفصلين تمامًا عن بعضهما البعض؟ وعن موقع الشاعر من ذلك كلّه؟

الشعري والسياسي وتداخل لا بدّ منه

يُورد ممدوح عدوان في كتابه دفاعًا عن الجنون أنّ «البشر منتمون إلى طائفتين: طائفة تريد الإبقاء على العالم كما هو، لأنّها مستفيدة من صورته هذه، أو لأنّها غير متضررة منها، أو لأنّها لا تعي حجم الضرر اللاحق بها فيه. وطائفة تريد تغيير هذا العالم وقلب موازينه وموائده وإعادة ترتيبه. والشاعر منتمٍ حتمًا إلى إحدى الطائفتين؛ إما أنّه طامح إلى تغيير العالم، وإما أنّه مساهم في تكريسه، ولا مجال للحديث المنافق عن ضرورة عدم تدخل الشعر في السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع، فهذا الحديث ذاته يسعى إلى تكريس موقف سياسي واقتصادي واجتماعي للشعر، يُريد جعله مادة تسلية أو ترفيه أو مادة تخدير وتثبيت للعالم على صورته  القائمة». وبناءً على ما قاله عدوان؛ فإنّ التداخل بين السياقين الشعري والسياسي هو تداخل لا غنى عنه، هذا في حال كان الشاعر يرى في نفسه أنموذجًا للفرد المنتمي إلى الطائفة الأولى الساعية إلى  تغيير العالم، لا إلى تكريسه. إنّ التداخل بين هذين السياقين هو تداخل تُوّلده ضرورة تفاعل الشاعر مع الأحداث من حوله، حيثُ يظهر موقفه منها واضحًا وجليًا للعيان، إما مؤيد أو معارض، إما راضٍ أو ساخط، إما مع أو ضدّ، وحتى في تلك الحالات التي لا يستطيع فيها تحديد مكان الحقّ في جوهر الصراع، فعليه أن ينحاز إلى القيم الإنسانية العليا دائمًا كالحرية والعدالة وغيرها، وإلا فإنّ وقوفه على الحياد هو وقوف سلبي ولا مبرَّر، يُفقده موقعه كفاعل مؤثِّر على الساحة الإنسانية، ويجعل منه محضَ بوق ناطق بأصوات السلطة، أو شخصًا بعيدًا عن الواقع متقوقعًا على ذاته، ومنعزلًا في برجه العاجي.

اللا تسييس الشعري هو تسييس من نوع آخر

يُضيف ممدوح عدوان في كتابه نفسه قائلًا: «إنّ هؤلاء الكتاب الذي لا تبدو في أعمالهم أية أبعاد سياسية حتى لو نُظر إليها بالمجهر، هم في الحقيقة سياسيون، وهم أحيانًا يعون ذلك بأنفسهم، ويعون الحاجة إلى تسلية الناس بالهراء، والتفاهة الملونة، وبالمرح المُسلي هادفين بالدرجة الأولى إلى تحويل الناس عن السياسة الجادة، وعن طرح الأسئلة الجدية التي تفرضها الحياة عليهم». وتبعًا لما قاله عدوان فإنّ الشاعر أو الكاتب بتخليه عن وظيفته كمؤثّر ومغيّر في المجتمع لن يغدو أكثر من كونه عنصرًا أساسيًّا للتحكّم فيه، وذلك ضمن إستراتيجية معينة تُدعى «إستراتيجية الإلهاء»، وإنّ هذه الإستراتيجية –بحسب تشومسكي- تستهدف تشتيت انتباه الرأي العام الشعبي عن المشاكل السياسية والاجتماعية الحقيقية، وجعلها تتجه نحو موضوعات ليست لها أية أهمية حقيقية، بحيث يبتعد الشعب من خلالها من الجماعي إلى الذاتي أو الشخصي، ومن الأصيل المهم إلى الفرعي والأقلّ أهمية. وإنّ جعل الكاتب أو الشاعر نفسه جزءًا من هذه الإستراتيجية يُخرج شعره أو كتابته من حقل التسييس إلى حقل لا تسييس مسيَّس بشكل أو بآخر!

وأخيرًا؛ فإنّ محمود درويش كان محقًا عندما كتب في رثاء لوركا: «يحفرُ الشاعر في كفيه قبرًا إن تكلّم»، فلوركا كان مدركًا لذلك الارتباط والتفاعل بين الإنساني والسياسي أوّلًا، والسياسي والشعري ثانيًا، فماذا تُفيد الكتابة عن الحبّ وأحوال العاطفة في أزمنة الاستبداد وانعدام الحرية، أو وكما تساءل لوركا نفسه: «ما الإنسان دون حرية يا ماريانا.. قولي لي: كيف أستطيع أن أحبّكِ إذا لم أكن حرًّا؟ كيفَ أهبكِ قلبي إذا لم يكن ملكي؟».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد