الأرض تفتقدهم،

والسرائر المزينة ببقايا المسك الفواح منهم تفتقدهم،

 القلوب التي حُرقت بعد رحيلهم تفتقدهم،

 والأنهار الجارية من أعين الثَّكالي تفتقدهم،

 ولا أكثر من الوطن المُفجع بفقدهم … يفتقدهم.

إلى الثكالى وأولياء حزن الراحلين وذويهم، إلى الروائح الفواحة من الورد الذابل في ثُرانا وبقايا المسك المنتشر في هوانا، لا تحزنوا واصبروا صبرًا جميلاً وهلَموا بقلوبكم إلى ذاك الغد القريب المنتظر، غدًا، غدًا تلقون الأحبة.

تعال أيها القلب المشتاق لقرة عينك وانظر بعين ناظرة إلى يومٍ قريب،

افتح في الطريق أمامك طريقـًا للمشهد الأخير، ها هو ابنك الذي ارتقى في ثوبٍ أبيض ناصع والنور محيطه يأخذ بيديك المرتعشتين ويعانقك ويضع قبلة على جبين قلبك الذي انكسر بعده، ويضمك في صدره الطاهر ضمة تُنسيك ما لاقيته من أهوال الفراق وفواجعه، حينها فقط يكون ما مضى كأنه ما كان وما مضى، حينها فقط تضحك من جديد دون تصنع قوة أو فرح وتُخبر الله وقتها: صدق وعدك ونصرت عبدك وشفيت صدور قوم مؤمنين صابرين، رضيت يا رب فلك الحمد.

وأنتِ أيتها الحبيبة الثكلى ألا ترين نفسك يومها؟ ها أنتِ تبحثين في أرضِ المحشر عن وجهه الذي اشتقتِ إليه كثيرًا، عن ملامح حبه التي أرهقتك في الفراق وعن حنين الانتماء لضلع خُلقتي منه، ها هو زوجك يضحك لكِ ضحكة المحبين في لحظة الاجتماع بعد الشتات، ابتسامته الوضاءة يا صبية تأسر لُبك كما أسرته في الدنيا فتركضين إليه ويركض إليك ويريكِ كيف كان لفضائل الشهادة في دنياكِ سبيلاً، ويريك كيف أن قصر الجنة كان مهرهُ مُستحَقـًا وكيف أن بضاعة الجنة غالية وأنه ما باع دُنياه وجسده إلا لها، تضحكين من القلب مرة أخرى يا من نسيتِ مذاق الضحك وتُخبرينه: ربح البيع يا وليف الروح، جزاك الله جنة أدخلني إياها الصبر على فراقك، رُباه، صدق وعدك ونصرت عبدك وشفيت صدور قوم مؤمنين، رضيت يا رب فلك الحمد.

وأنتِ أيتها الصغيرة المليحة، تعالِ ولا تبكِ فليس بعد ذاك اليوم بكاء، انظري ذاك أبيكِ الذي لم تتكحل عيناكِ برؤيته يومًا، يبحث بين الوجوه عن آثار ملامحك الطفولية في وجوه النساء ويهديه إليكِ الشوق فيعتصرك بحضن أبوي غامر بالمحبة فتدفنين عدد سنوات عمرك من الاشتياق في صدره وتخبئين قلبك اليتيم في قلبه الذي أعطاكِ الحياة يومًا، ذاك الدفء الذي لم تعهديه يومًا سيكون من نصيبك كل صباح للأبد فلأبيكِ دارُ في الجنة وقد أحسن الله إليكِ بأن تولاكِ برعايته يا قرة عين أبيكِ فلن يخذيك الله أبدًا، طيبت لك الدارُ، أتسمعين نفسك تقولين لربك حينها: صدق وعدك ونصرت عبدك وشفيت صدور قوم مؤمنين، رضيت يا رب فلك الحمد.

أما أنت أيها الأخ الذي قضيت العمر كله تملأ فراغ تركته أختك يوم لم ينفع فيه أن تزود عنها، قضيت العمر تتجرع من عجز الحزن وحزن العجز الذي استمر يأكلك قطعةٍ قطعة رغم أنك تعلم أنه لم يكن في الوسع أمر ولكنه القلب المحزون تعرفه، لا يعرف للمنطق منطقـًا، وأنت قلبك ختم عليه الحزن ختمةً لم تفرح بعدها أبدًا، افرح اليوم يا فتى، لقد أتتك شريكة الرحم من مكان بعيد، هي هي، بنت أمك وأبيك، حافظة سرك وحاملة همك وابنتك الأولى ومعشوقتك الصغرى ورفيقة اللعب أيام كان المرح سهلاً وبسيطـًا، ها أنت تبكي وأنت تأخذها بين جنبيك وتربت على يديها الصغيرتين وتقول: استوحشتك أختي، يا بعض دمي، ويا أقرب إلى القلبِ من القلبِ والدمِ.

وأنت أماه الثكلى، هوني على نفسك فإن الجنة لمثلك أعدت وهل مثل إعداد الله إعداد؟ أعلم أنك فقدت ابنتك يومًا كان الفقد فيه فتيًا، ولكن هنا لا فقد ولا فقدان، انظري، أترين بهاءها الخطَاف؟ نعم هي فلذة كبدك المهروم بعدها وقطعة روحك المهاجرة في سفرها وبقايا قلبك المفطور من غيابها، ابنتك عروس في ثوب الجنة وما أدراك ما ثوبِ الجنة، وما أدراكِ ما فرح الجنة؟ لقد كان الله يعد لها عُرسًا لم تحلم به فتاة يومًا وبيتـًا لم يخطر علي قلبٍ جماله، ومصيرًا ما وُجد أفضل منه، ها هي تركض نحوكِ بعد أن امتنعت قدميك من الوقوف، في لحظة قضيتِ العمر في انتظارها، ذابت فيكِ مناديةٌ: أماهُ أماهُ وها أنتِ تُطفئين جمر الوجع المحترق في صدرك بقبلات على وجنتي صغيرتك، استزيدي ما شئتِ فليس بعد اليوم موت.

أنتم ومثليكم يا من فقدتم أحباء كانوا قلوبًا لكم يمشون على قدمين، أنتم الصابرون في ظلمات اليأس والحامدون في قلب البلاء والمضحون بالحياة من أجل الحياة، هذا النور الآتي في غيب يوم يغيب فيه الظلم والظلمة سيكون لكم ومنكم وإليكم. لقد أصبحت الدنيا بحزنها الفجَّاع أثرًا بعد عين، ذاك يوم تضحكون فيه كثيرًا كثيرًا وتحمدون كثيرًا وتُكَّبِرون كثيرًا وتقولون للرحمن عُذرًا إن يومًا بكينا، رُباه إنَّا نُحبك، رُباه صَدقَ وعدك يا صادق الوعد، رباه نَصَرت عبدك يا ناصر الجند، رباه لك الفضل والشكر والحمد.

شفيتُ صدور قومٍ مؤمنين، شفيتُ صدور قومٍ محزونين فلك الحمد.

يا أولياء الله، طاب سعيُكم وممشاكم وطابت لكم جنان الخُلد والفرح أوطانـًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشهداء
عرض التعليقات
تحميل المزيد