هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في يوم مولده الشريف يتجرَّؤ عليه قزمٌ يدعى ماكرون، ومن ورائه دولة ذات تاريخٍ دمويٍّ تجاوزت – وما تزال – حدود الإنسانية والمبادئ الأخلاقية إلى أحطِّ دركات الشرّ والانحطاط والإجرام الإنساني.

كثيرًا ما جلدنا أنفسنا، وحمَّلناها ما لم يكن يجدر بها احتماله، ساهمَت في ذلك عوامل عديدة لا مجال لتفصيلها هنا، فمن الواجب الآن التركيز على ما فرَّطنا به، وتدارك ما فاتنا.

إنَّ من أولى الأولويات، وأهمِّ الواجبات في عصرنا الحالي الاستزادة من سيرة نبيِّنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – وسيرة الإسلام وتاريخه، فقد توسَّع المسلمون في طلب الحكمة من الآخرين ونسوا ما لديهم من حكمة معينها لا ينضب، وهذا مما يسهم في ردمِ فجوة عميقة بيننا وبين ما لدينا.

من المستحيلات الكبرى اليوم أن تجد أمةً تعلم عن حكماء الأمم الأخرى أكثر مما تعلم عن حكمائها، فترى الأطفال في الهند – على سبيل المثال – يدرسون سيَرَ حكمائهم منذ الصغر، ويحفظونها على ظهور قلوبهم بل يمتثلونها في كافة مناحي حياتهم، ويبشرون بها عندما يكبرون أولئك الآخرين الذين ينظرون إليهم باندهاش وتناسٍ لما لديهم من خير عميم. الأمر ذاته تجده في الصين، وأوروبا، وأمريكا، فكلُّ الأمم تجلُّ عظماءها وترفعهم إلى أعلى الرتب والدرجات، على الرغم من أن قسمًا كبيرًا منهم قد شيبوا بالانحطاط والقذارة، وما شهرتهم إلا لفرض أفكار معينة، أو لجمع الناس على صعيدٍ واحد، وترسيخ الروح القومية الوطنية.

لقد فهم هؤلاء الأقوام أن النهضة لا تكون إلا بالتمسك بالأصول والجوامع، وعدم التخلي عنها؛ فوحدة الجماعة مقدمة على ما سواها، ولا أعظم من وحدةٍ تقوم على أسسٍ إسلامية دعا إليها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – منذ أول يومٍ من أيام دعوته، ولم يزل يوصي بها حتى التحاقه بالرفيق الأعلى.

لم تزل سيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – تبهرنا بكلِّ جديد؛ فما فيها من نبلٍ وصفاء ونقاء يفوق حدود الوصف. إن الرسول الكريم – صلوات ربي وتسليماته عليه – حاز أعظم الأخلاق، وبثَّ الفكر العظيم في أبناء أمة لم تزل عظيمة حتى وهي في أصعب لحظاتها التاريخية، والمسلمون لم يجتمعون على شخصٍ كما اجتمعوا على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد يكون من السخف التوهُّم أن أمة بحجم الأمة الإسلامية، وبجذورها الضاربة الراسخة، عاجزةٌ عن إحداث التغيير المطلوب؛ ولعلَّ حدثًا عظيمًا كالإساءة لنبينا الكريم قادرٌ على تفجير خزانٍ من التراكمات في نفوس المسلمين، فيعيدون بذلك قلب الموازين لصالحهم، واستعادة هيبتهم. وإن الدعوات المباركة للمقاطعة الاقتصادية للمنتجات الفرنسية قادرة تمامًا على إدخال السرور إلى قلوب المسلمين كافة؛ فهي تشعرهم بأثرهم العظيم في هذا العالم، وبأنهم قادرون على إحداث التغيير المنشود.

لم تكن المقاطعة يومًا فعلًا عبثيًا، بل هي فعلٌ قادرٌ على إخضاع المعتدين، كونها تتحدث باللغة الوحيدة التي باتوا يفهمونها؛ أعني لغة المصالح المالية والاقتصادية. أما عجرفة ماكرون ومن ورائه اليمين المتطرف في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية فهي عجرفة لا تخضع لسلطان المال والاقتصاد، ولم يعد سرًا أنَّ أحد أسباب هذا الانحطاط الخلقي والتطاول على سيدنا وسيدهم هو كسب معارك السياسة، وما دام الأمر كذلك، فلا أقل من الإطاحة بهم من خلال الضغط عليهم بشتى الوسائل المتاحة.

إن ما قدمه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لنا يستحق منا أن نقدم في سبيله الغالي والنفيس، بل مهج أرواحنا، حتى نلقاه وهو راضٍ عنا صلى الله عليه وسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد