إبليس معبود الرياح المألوف للسان اللاعنين، العالق بين الأمرين المشيئة وأمر أرحم الراحمين الذي عُلقت عليه ذنوب العالمين، إبليس أوّل المختارين الثابت عند أمر الطرد المبين.

من قال: لا في وجه من قالوا: نعم

من علَّم الإنسان تمزيق العدم

من قال لا فلم يمت

وظلَّ روحًا أبديَّة الألم!

إبليس والشيطان وجهان لعملةٍ واحدةٍ لا تكاد الثقافة الإسلامية والتوارتية والإنجيلية أنْ تجد فارقًا بين الاسمين، فكليهما يشيران إلى ذات المذنب.

يرى ويتني. س. بودمان في كتابه (شعرية إبليس: اللاهوت السردي في القرآن)، عند تطبيق علم السرد أو القصِّ على الآيات التي ذُكر فيها إبليس يظهر فارق بين التسميتين بأنَّ الشيطان هو الممثل، المساهم في القصة والذي يلعب دورًا، إلا أن ذلك الدور لا ينمو ولا يتطور، وهو تمثيل ثابت ومقيم لقوة الشرِّ، في حين أنَّ إبليس بوجه عام شخصية ونقطة مركزية ومحورية في القصة والذي يطور شخصيته ويستجيب لتغير المواقف.

ويعرِّف بال الفرق بين الممثل والشخصية فالممثل يمكن له أن يكون كلبًا أو ماكينةً أو شخصًا وحين يُستثمر الممثل بصفات إنسانية مميزة يصبح شخصيةً، الكلبة لاسي التي تظهر بهذا الاسم في العروض التلفزيونية تقترب كثيرًا من أن تكون شخصية، بينما كثير من البشر في تلك العروض ذاتها ليسوا ببساطة سوى ممثلين.

يظهر الشيطان على أنَّه العدو الأبدي للجنس البشري، شرٌّ محض وظلام مطبق وسوف يظل كذلك دائمًا، أما إبليس يتصف بإمكانية مقارنته بدرجة معينة بالحالة البشرية، لقد ضلَّ وتبدل بعد أن كان نموذجًا لأحد المخلوقات السماوية التقية كائنًا عابدًا لخالقه، ثم تغيَّر كما يتغيَّر البشر ويضلون ولا يبزغ كثيرًا كشخصيةٍ شريرةٍ بقدر ما يظهر كشخصية مأساوية.

إذًا فحين نذكر إبليس نقصد ذلك المخلوق المالك لاختياره، والذي قد يفعل خيرًا، وقد يفعل شرًا، في حين أنَّ الشيطان هو إبليس بعد أخذه العهد على نفسه بتضليل آدم وذريته، علاقته بالبشر خاصة.

هل عصى إبليس ربه! يستدل العقل التفسيري على معصية إبليس من خلال الجزاء بالطرد ملعونًا مدحورًا ولا يستطيع العقل تفسير جزاءٍ من غير معصيةٍ في حين لا يُذكر في القرآن صراحةً أنَّ ما قام به إبليس من رفض السجود معصيةً، بل إباءً (إلا إبليس أبى، أبى واستكبر) والفرق بين المعصية والإباء بإنَّ المعصية حُسم فيها التقدير بكونها خروجٌ عن الطاعة، في حين أنّ الإباء كُره للأمر وامتناعٌ عنه، المعصية متعلقة بالآمر لها، والإباء متعلق بالأمر.

وهذا ما يجعلنا نتساءل إذا فرضنا ما قام به إبليس ليس معصيةً فلماذا إذًا استحق اللعن؟

حتى نجيب على هذا السؤال علينا التمييز بين مفهومين طرحهما العلماء المسلمين قديمًا، وهما المشيئة الإلهية والأمر الإلهي، فالأمر إما أن يُطاع وإما أن يُرفض، وهذا واقعٌ على اختيار المأمور، أما المشيئة فهي إرادة الله النافذة التي لا تُرد إذا قال كن فيكون، الله قدَّر وجود أشياء كثيرة فهي إرادته، ولكن جعل لعباده الحرية في اختيارها أو رفضها، لذلك نستطيع القول إنَّ الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ولكنَّه شاء له أن يأبى السجود، ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجدًا لوقع ساجدًا لتوه؛ إذ لا حول ولا قوة للعبد على رد المشيئة الإلهية، فرفض إبليس للسجود أو موافقته كلاهما لا يخرجان عن دائرة الطاعة لله.

كتب الحلاج الكلمات التالية حول خضوع إبليس لقضائه وقدره:

قال الحق سبحانه لإبليس: الاختيار لي لا لك، فأجاب إبليس: الاختيارات كلها، واختياري لك، قد اخترت لي يا بديع، وإن منعتني فأنت المنيع، وإن أخطأت في المقال فأنت السميع، وإن أردت أن أسجد له فأنا المطيع، لا أعرف في العارفين أعرف بك مني، لا تلمني فاللوم مني بعيد، وأجر سيدي فإني وحيد.

وهذا يدفعنا للنظر إلى أمر السجود نظرةً أكثر عمقًا من صراع بين الخير والشر والحق والباطل فسجود إبليس ليس خيرًا ورفضه ليس شرًا، ما حصل لإبليس أنَّه وقع بين شقي الرحى، شقُّ الأمر الإلهي المتمثل في واجبات الطاعة الجزئية وشقُّ المشيئة المتمثل في عهده الأولي المطلق بالسجود والتسبيج لله وحده وأيضًا بين طاعته لمشيئة الله في خلق الأشياء على منازل فكانت النار أرفع منزلةً من الطين وبين أمر الله في سجود النار للطين، يرى العلماء المسلمين بإنَّ إبليس أوَّل من استخدم القياس في الاستدلال حين نظر فرأى النار أرفع منزلةً من الطين؛ فأبى وتكبر، وفي إبائه وكبره قياس منطقي سليم.

يُذكر أنَّ موسى قال لإبليس: تركتَ الأمر! فأجاب إبليس: كان ذلك ابتلاءً لا أمرًا.

يرى صادق جلال العظم في كتابه (مآساة إبليس) أنَّ الأمر الإلهي بالسجود كان ابتلاءً لإبليس، وقد نجح فيه لأنَّ اختياره كان مقدرًا منذ الأزل، وطُرد لأنَّ مشيئة الله منذ الأزل أرادت له أن يكون معلَّم الشرِّ والمعصية في العالم الدنيا.

رفض البعض أن تكون المشيئة الإلهية قد خلقتْ الشر، وقدَّرته، ورأت أنَّ إبليس هو مصدر الشر، وخالق المعصية، وفي هذا إعطاء لإبليس القدرة على الخلق والتقدير، وهذا جهلٌ لسرِّ الحركة في الكون المولود من المتناقضات والمعروف بها، يستطرد الإمام المقدسي في هذا الشأن على لسان إبليس:

يا هذا، أتظن أني أخطأت التدبير ورددت التقدير وغيرني التغيير، لا وعلو عزته وسنًا قدرته، لكنه خلق الحسن والقبيح والمستقيم والصحيح جمعًا بين الشيء وضده ليدل على كمال قدرته، فإن الأشياء لا تعرف إلا بالأضداد.

عُدّ إبليس مؤسسًا للحركات الفكرية والأدبية والموسيقية في تاريخ الحضارة لأنه تلبَّس أئمتها فمن اتبعهم قد ضلَّ، وعدَّ البعض أنَّ كلَّ ما يجري للإنسان من شرٍّ مرده إبليس دون الاعتبار لهوى الإنسان وجِبلته، ويكفي أن تذكر اسمه دون استعاذه حتى يرميك الناس بنظرات التعجب!

كتب الإمام المقدسي ما يلي عن إبليس:

إن زلَّ أحدهم قال إنَّما استزلهم الشيطان، وإن نسي أحدهم قال: فأنساه الشيطان، وإن عمل أحدهم قال هذا من عمل الشيطان، فأنا حمَّالُ أوزار المذنبين، وحمَّالُ أثقالِ الخاطئين.

والسؤال هنا هل يستحق إبليس كلَّ هذا؟ وعلى فرض أنَّ إبليس قد تاب أين ستعلِّق البشرية زلّاتها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد