«في بلادي ظلموني.. لمن نشكو حالي» ليست مجرد صرخة مشجعين رياضيين، أو بالأحرى لم تعد فقط كذلك. حيث إنه لم يكن يتوقع أنصار نادي الرجاء البيضاوي المغربي ومشجعيه أن أغنيتهم هذه ستصل أصداؤها إلى العالم بأسره، وستنتشر في الأوساط العربية بالخصوص، بل إنه لم يكن أشد المتفائلين منهم يتخيل أن صرختهم ستلهم الشعوب العربية في احتجاجاتهم وأشكالهم التضامنية المختلفة. ولعل من أبرز هذه الأشكال استعمال بعض المنشدين الفلسطينيين المناصرين للقضية الفلسطينية لحنَ هذه الأغنية لإبداع أغنية حماسية وتضامنية مع القضية، ثم أيضًا رفع شعار هذه الأغنية في احتجاجات الجماهير الشعبية الجزائرية مؤخرًا ضد العهدة الخامسة، ومن أجل تحسين الأوضاع السياسية والاجتماعية في هذا البلد.

أغنية تحمل في طياتها العديد من الرسائل المشفرة لكل من يهمه الأمر في هذا البلد، وفي مقدمتهم الحاكمون والمسيرون للشأن العام بالمغرب، وتصف حال أبناء الشعب، خصوصًا الشباب منهم. حيث إن اللازمة التي تُرَدد في الأغنية وحدها كافيه لوصف حجم المعاناة، «في بلادي ظلموني»، وما أبشع الظلم! وما أقسى وطأته على قلوب المستضعفين! فما بالك إن كان هذا الظلم مسلطًا عليك داخل بلدك الذي من المفترض أن يكون مأوى لك وملاذًا آمنًا، ومسلطًا من طرف أبناء وطنك ومسؤولية الذين تعتبر راحتك وأمنك وكرامتك من أولى الأولويات الملقاة على عاتقهم. «لمن أشكو حالي.. الشكوى للرب العالي»، تعبر وبكل حرقة على قلة حيلة المظلومين في هذا البلد، وافتقادهم لكل مؤنسٍ مواسٍ، يقدر على تغيير حالهم ورفع الظلم والحيف عنهم، أو يحاول، سوى الله تعالى القادر فوق عباده.

تصف هذه الأغنية أيضًا أحوال الشباب في هذا البلد بأنهم يعيشون في حيرة من أمرهم أمام مستقبل ضبابي مظلم، «فهاد البلاد عايشين فغمامة.. طالبين السلامة»، في ظل قلة فرص الشغل وانتشار البطالة والجريمة والاعتقالات وتدني مستوى التعليم وتدهور قطاع الصحة؛ مما يجعل الشباب يطلب الخروج بأقل الخسائر، ولم لا، البحث عن فرصة للعيش الكريم خارج البلد عن طريق الهجرة السرية في قوارب الموت. تذكر أيضًا هذه الأغنية إشكالية المخدرات المنتشرة بشكل كبير في أوساط الشباب في جميع المناطق، والتي تقضي على مستقبلهم وتخرب حاضرهم، وتساهم بشكل كبير في انتشار الجريمة والرذيلة في المجتمع، كما أن طريقة تعامل الدولة مع مروجي المخدرات والخمور تبين بالملموس أن المستفيد الأول من انتشار هذه الآفة هم لوبيات وتجار كبار يتحايلون على القانون ويستغلون نفوذهم لتمر العملية بنجاح، ولعل من بينهم مسؤولين كبارًا.

أيضًا تقف كلمات هذه الأغنية ومعانيها على تضييع المواهب وإهمالها، خصوصًا مواهب الشباب التي تقبر منذ بداية ظهورها. حيث إن أغلب المواهب المغربية، في كل المجالات، لا تجد من يقف بجانبها لصقلها وتطويرها حتى يستفيد مهنا الوطن قبل كل شيء. لذلك تجد العديد من المواهب المغربية في شتى المجالات قد تكونت في بلدان أجنبية فيحرم مهنا الوطن. أما المواهب التي استطاعت أن تستمر في بلدها، على قلتها، فإن أغلبها استطاع ذلك بمجهودات شخصية أو بمساعدات عائلية لا دخل للدولة فيها. ولعل أبرز مثالين على ذلك الطفلة المغربية المبدعة مريم أمجون التي برزت في سماء الثقافة من خلال تميزها في قراءة الكتب وتلخيصها، وقدرتها على التكلم بلغة عربية فصيحة قل نظيرها خصوصًا عند أقرانها. وأيضًا الطفل المغربي أيدر مطيع الذي تميز هو الآخر في مجال تقنيات الحاسوب ولغات البرمجة كأصغر مبرمج مغربي، كما تميز أيضًا بتكلمه اللغة الإنجليزية بطلاقة، وقد ساعده في كل ذلك شغفه بهذا المجال وبحثه المتواصل عن كل جديد وبمجهودات فردية مثمرة.

عبارة «فلوس البلاد كاع كليتوها.. للبراني عطيتوها» قوية وبليغة أيضًا، مفادها أن أموال البلاد وثرواتها تم نهبها وسرقتها وصرفها في مشاريع شخصية تدر أرباحًا فقط على أصحاب القرار المتحكمين في دواليب الحكم والاقتصاد. وتمت مصادرة الثروة الهائلة التي يزخر بها البلد من فوسفات وذهب وفضة وغيرها، وتهريبها إلى الخارج إما لتكديسها في أبناك خارجية متساهلة كسويسرا وبنما، أو منحها لأجانب كهبات وهدايا مقابل خدمات أخرى سياسية أو تجارات شخصية.

خلاصة القول، إن الشباب عانى ولازال يعاني، وتبدو له المعاناة متجلية أمام عينيه في مستقبله القريب والبعيد إن بقي الوضع على حاله، ولم يحدث تغيير حقيقي في كل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبداية هذا التغيير هي وعي الشباب بحقوقه وواجباته، وتوعيته غيرَه بذلك وبضرورة قول كلمة الحق في كل منبر متاح، وأهمية أن يصدح الشباب ويهتفوا بحناجرهم وأصواتهم الفتية ضد الفاسدين.

وبهذا استحقت أن تكون أغنية «في بلادي ظلموني» رسالة عفوية، من حناجر فتِية، لأمة أبية، ضد رؤوس الفساد وأسباب البليّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات