في زمن انتشار الروايات البذيئة، والروايات المبتذلة، والهادمة للقيم والأخلاق، وزمن تسابق فيه الروائيون ليتحدثوا عن الفواحش والمجون والإلحاد، في زمن صور لنا شبابنا أنهم يلهثون وراء الفواحش، وبناتنا مجرد سافرات يبحثن عن المتعة في زمن روج لنا الحب بأنه السعي وراء اللذة، الزمن الذي لم نعرف فيه حبًا شريفًا! حبًا طاهرًا عفيفًا! حبًا صادقًا نقيًا ونظيفًا.. تطل علينا الكاتبة التونسية خولة حمدي بروايتها الأولى: «في قلبي أنثى عبرية».

احتلت قائمة الروايات العربية الأكثر مبيعًا خلال عامي 2014 و2015م، تتميز هذه الرواية عن مثيلاتها نظرًا لكونها مستوحاة من أحداث قصة حقيقة (كما أشارت الكاتبة في المقدمة)، مما يجعل القارئ متلهفًا أكثر لها، ومنفعلًا بأحداثها.

هي قصة واقعية تجري أحداثها بين تونس ولبنان وفرنسا، بين الإسلام واليهودية والمسيحية، بين الحب والحرب، بين الحياة والموت، بين الإنسان والإنسان.
بالرغم من عنوانها الذي استفز الكثير في البداية، إلا أنه لا يعبر عن مضمونها، هي بعيدة كل البعد عن العشق والغرام والابتذال، رواية ملتزمة عفيفة طاهرة ذات هدف سام، لا مكان فيها للإيحاءات الرخيصة ولا للمشاهد الهابطة ولا للتفاهات، تُظهر طهارة الدين وصدق الحب، وتُحيي قيمًا غابت عن مجتمعنا الإسلامي، تجعلنا نشعر ونحن نقرؤها أننا مقصّرون بحق الإسلام وكم ننسى مقدار عظمته وسماحته، وسموّ أخلاقه ومنهاجه.
ذات أسلوب سردي رائع غير ممل، مشوقة وممتعة، كما تحوي على جرعة تثقيفية لا بأس بها، غلافها جذاب وعنوانها يثير الفضول.

في قلبي أنثى عبرية رواية تحرك الروح القابعة فيك، تبتسم، وتحزن، وتبكي، وتفرح، ويتفطر قلبك، وتدغدغ فيك مشاعرك وتبعثرها، وتحرك فيك عواطفك وشاعريتك.

«ندى»، ربما مكتوب عليها أن تعيش في حداد طوال الوقت، تفقد أعز الناس إليها أخيها ميشال، تفقد أبيها سندها في الحياة، ثم تفقد خطيبها وحبيبها الذي هداها الله إلى الإسلام على يديه، (فقدان عزيز ليس بالأمر الهين)، ولكن كان ذلك اختبار من الله على قوة صبرها وتحملها، ليخبرها أنه بمعيتها، وأنه قريب منها. ثم يشآء أن يعود إليها.

من هنا ندرك أنه دائما لعلَّ الله يحدث بعد ذلكَ أمرًا.

«أحمد»، ذاك الرجل الذي عاهد الله أن يسير على خطى الحبيب محمد، وقع في حب الفتاة العبرية «ندى»، وأخذ بيدها إلى الإسلام، ذاك البطل المقاوم الذي لم يرتح ولم يهدأ له بآل حتى تحررت بلاده.
إن ما بينهما يفسر لنا بأن الحب الحقيقي يتجاوز كل الحدود، والبقاء على العهد ولو طالت المسافات.

تتحدث الرواية عن التحلي بالصبر وقوة الايمان، عن الصداقة الحقيقية والإيثار، عن التضحية وحب الوطن، عن الإنسانية، وقوة الحب الحقيقي. فما أعظم أن تعيش حياة يملؤها حب الله، وحب من يحبك في الله، فلندع الحب يأخذنا إلى الله.

اقتباسات من الرواية:

1- «عديني.. إن حصل لي مكروه ما، أن تقرئي كل يوم ربع ساعة من القرآن.. من أجلي».

2- «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ها أنا ذا أنطق الشهادتين للمرة الأولى، وأنت الشاهد الوحيد على إسلامي! نعم يا أحمد، لعلك فهمت ذلك منذ الكلمات الأولى من رسالتي، الآن فقط فهمت لماذا طلبت مني أن أقرأ القرآن كل يوم، كنتَ تعلم أنه السلاح الأقوى».

3- «لا تحكم على الإسلام هكذا، لاتنظر إلى مايفعله المسلمون، بل انظر إلى ماتنص عليه تعاليم الإسلام».

4- «لا تجعلي المسلمين ينفِّرونك من الإسلام، فتطبيقهم له متفاوت، لكن انظري في خُلق رسول الإسلام، وحده ضمن كل البشر خُلقه القرآن».

5- «أعلمُ أني لن أكونَ قويةً على امتدادِ الطريق، لذلكَ أريدكَ أن تأخذَ بيدي وتردني إلى الصواب، أرجوك،كُن معي لنمضي معًا إلى آخرِ المشوار».

6- «أخاف إن نحن ذقنا حياة الاستقرار والفراغ أن نفقد هدفنا ونصبح أشخاصًا عاديين، أن نستسلم لنمط الحياة السهلة، لم يكن لي هدف في الحياة غير المقاومة. فهل يمكنني؟ هل يمكننا أن نشد الرحال باتجاه أهداف أخرى؟!
هذه الفكرة تخيفني، لست أدري إن كنت سأقدر على مواجهة حياة عادية، لا أتعرف إلى نفسي إلا من خلال المقاومة، لقد خلقت من أجل هذه المهمة، وسأقضى نحبي وأنا أفعل ذلك!».

7- «كان علي أن أعمل على تحصين قلبي، بالمعرفة الحقة، ثم أنشرها حولي على كل من ظل على الجهل الذي كنت فيه.
هل تعلم، ظننت أن كل تلك المراحل كانت الأصعب، لكن يبدو أنني أخطأت في تقديري، فما زال هناك الكثير و الكثير، الأميال الألف لم تنته بعد».

8- «أحمد الله على كل حال. ولا أعترض على قضائه، لكنني ضعيفة.. ضائعة، دونهم ودونك! يارب، أعلم أن هذا امتحانك لصبري وثباتي، لكنني أسألك ألا تطفئ كل الشموع في وجهي».

9- «لكن قلبي لا يزال كما هو لم يتغير فيه شيء، لا يزال ينبض بنفس الإيمان الذي تقدمت به إليك في المرة الأولى.. فهل ترضين به هدية يتيمة؟».

10- «أصبحت تلك عادتها، قليلة الكلام متحفظة في عواطفها، مقتضبة في فضفضتها، يذكر ظهور بوادر العزلة لديها، لم تكن كذلك من قبل».

11- «هناك، في حقيبة يدها، تحت المفكرة، كانت ترقد صورة وحيدة في الظلام، صورة من الماضي، وكم الشفاء منها صعب، صعب جدًّا».

12- «هل يفكر فيها مثلما تفكر فيه؟».

13- «تسارعت الضربات على جدار صدره.. لاشك بأنها هي، تقف أمامه الآن».

14- «لا يمكنه الآن أن يبكي، لا يمكنه أن يبكي حبه الأول والوحيد، لاعتقاده السخيف أن الرجال لا يبكون من أجل الحب!».

15- «أفتقدك جدًا أيضًا، أكثر من أي وقت مضى، سأكتب إليك كل يوم، عسى أن تصلك رسائلي يومًا ما، أريد أن أشاركك كل لحظات حياتي الجديدة، لا تقلق لن يفوتك منها شيء!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك