منذ سنوات أفتى الشيخ وجدي غنيم «المحسوب على جماعة الإخوان» بتكفير السيسي، فرد عليه الشيخ عصام تليمة «إخوان مسلمون» رافضًا فتوى وجدي غنيم. فبادر غنيم بالرد، مبينًا أن تليمة يعتنق فكر جماعة «المرجئة».

وهذا هو الراحل محمد مهدي عاكف، مرشد الجماعة السابق، يخرج على المسلمين عام 2006 بتصريح عجيب، يقول فيه: إن الذين يقولون بوجود خلاف ما بين السنة والشيعة جهلة يرددون خزعبلات وترهات. وهذا كلام لا يقوله الشيعة أنفسهم، بل إنهم يقولون بالخلاف. ولو قال عاكف كلامًا عن التقريب لهان الخطب.

وهذا هو كمال الهلباوي، المتحدث السابق لجماعة الإخوان بالغرب، يخرج على المسلمين بتصريح يقول فيه : إن الخميني قد ألهمنا من خلال الثورة الإسلامية التي قام بها ضد حكم الشاه عام 1979.

وهذا هو وفدٌ إخواني قد ذهب لتقديم واجب العزاء في وفاة البابا شنودة. وكان على رأس الوفد، عصام العريان، الذي قال داعيا للبابا، أفضى إلى ما قدم و نسأل الله أن يجعل جهده في ميزان حسناته. وقد رد عليه الشيخ محمد سعيد رسلان، مُذكرًا إياه بالولاء والبراء. بل إن رئيس مصر الأسبق، الدكتور محمد مرسي، قد صرح بأن الخلاف ما بين الإسلام والمسيحية، إنما هو خلاف ديناميكي. وإن الذي رد عليه في ذلك هو الشيخ محمد عبدالمقصود.

وهذا هو القيادي الإخواني صبحي صالح، بعدما تعرض للضرب في واقعة شهيرة منذ سنوات، خرج على المسلمين بتصريح يقول فيه: اللهم أحيني على الإخوان وأمتني على الإخوان. وأقول، ربما أخبروه أن الجماعة جاءت بدين جديد. ولقد قال صالح أيضًا، إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس لهم قدسية. وقد رد عليه الشيخ مصطفى العدوي واصفًا إياه بالجاهل.

أكتفي بهذا القدر، ولكن لا شك أبدًا في أن تلك التصريحات تحمل غموضًا يكتنف معتقد جماعة الإخوان المسلمين.

هذا الشك سوف يزول إذا ما علمنا أن من علماء الأمة من بَيَّنَ حقيقة منهج جماعة الإخوان عندما سُئلوا عنه، فقالوا: لا يوجد منهج معين لتلك الجماعة، ولا يوجد لدى أعضائها اعتقاد واضح، حيث إن الجماعة كيان يضم الفرق الـ73، التي انقسمت عليها الأمة الإسلامية.

وكان على رأس هؤلاء العلماء، الشيخ الألباني رحمه الله ، والشيخ أبوإسحاق الحويني شفاه الله. وغيرهما من علماء الأمة، وهم كُثر.

وأقول، إن هذا التأصيل الذي أصَّله غير واحد من أهل العلم، يتسق ويتفق اتفاقًا مع الواقع الذي تعيشه تلك الجماعة، ومع ما نقلْتُ من تصريحات وردَت على السنة كبار القيادات فيها.

وبداية، ما كنت يومًا من أعضاء حزب النور، أو من المدافعين عن ممارساته السياسية، وأيضًا ما كنت من أعضاء جماعة الإخوان، وإنما أيدتهم لتأييد العلماء لهم، وتوقفت عن تأييدهم بعد توقف العلماء بفترة قليلة، وذاك أمر له أسباب تناولتها في سلسلة سابقة بعنوان «لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية». وإنني في هذه المقالة سوف أتناول ما صنعه حزب النور في عام واحد، أي منذ نشأته عام 2011، حتى عام 2012، وذلك لأُبَيِّن أن جماعة الإخوان لم تفعل شيئًا سوى الضجيج والشكوى على مدار 83 سنة، أي منذ نشأتها عام 1928 حتى ثورة يناير2011.

إن جماعة الإخوان المسلمين، ما تركت نظامًا من أنظمة الحكم في مصر، إلا وتحالفت معه. فالجماعة تحالفت مع تنظيم الضباط الأحرار للخروج على الملك، ثم تحالفت مع السادات لضرب خصومه من قوى اليسار، ثم عقدت الصفقات المشبوهة مع نظام مبارك في مقابل تحقيق مكاسب برلمانية، وذلك ما قاله المرشد الراحل محمد مهدي عاكف في حوار أجرته معه المصري اليوم. إن الأمر لم يكن قاصرًا على عقد الصفقات وفقط، كلا، بل إن الجماعة قد بايعت مبارك في ثمانينيات القرن الماضي، حيث وقف رئيس الهيئة البرلمانية المستشار مأمون الهضيبي في مجلس الشعب المصري عام1987 ليعلن عن بيعة جماعة الإخوان لمبارك، قائلًا: «وجدناك شريفًا فبايعناك، ووجدناك أمينًا فبايعناك، ووجدناك وطنيًا فبايعناك». وينبغي ألا ننسى ما قاله المرشد الحالي ووصفه لمبارك عام 2010 بأنه والد لكل المصريين.

رحل مبارك، ولقد دخلت الجماعة في تحالف مع المجلس العسكري، بل كانت تدافع عن ممارساته، وكان أعضاء الجماعة يرددون قولتهم الشهيرة: المجلس العسكري لم يمارس السياسة من قبلُ، لذا يجب أن نلتمس له العذر في ممارساته الخاطئة. وأقول، لقد أثبت الواقع أن المجلس العسكري داهية سياسة، وأن المتحالفين معه ما كانوا إلا سذجًا أغبياء. ثم إن الإخوان المسلمين التمسوا العذر للمجلس العسكري الذي كان يقول لهم كلامًا معسولًا وقتئذ، ولم يلتمسوا عذرًا لحزب حديث المولد!، كان يعارضهم.

وحقيقة، هذا العبث الذي تعيشه جماعة الإخوان، ما هو إلا نتيجةً طبيعية لما هي عليه من اعتقادات متنوعة متباينة. لذلك كان من المنطقي والطبيعي ألا نجدَ لهم إنجازًا سياسيًا رغم كل تلك العقود التي مرَّت عليهم وهم يشاركون في اللعبة السياسية. وإذا ما نظرنا إلى حزب النور حديث العهد بالعمل السياسي، سوف نقف على حقيقة عجيبة. حيث إن هذا الحزب تأسس عام 2011، ولقد صاحب تأسيسه حملة إعلامية ممنهجة على التيار السلفي كله، لتشويهه وتخويف الناس من قدومه، فمن ينسى الحديث عن حادثة قطع الأذن، وحادثة هدم الأضرحة، وتخويف الناس من إقامة الحدود، ناهيك عن نسبة كل واقعة غريبة تقع في مصر إلى السلفيين. حتى أن الشيخ محمد حسان قال في إحدى خطبه، أخشى أن ينسب الإعلامُ آثارَ «تسونامي اليابان» إلى السلفيين.

وبالرغم من ذلك التشويه، فلقد شارك حزب النور في تحالف خاض أول انتخابات برلمانية بعد ثورة يناير، واستطاع أن يقتنص لقب «الحصان الأسود» حيث استطاع أن يفوز بـ111 مقعدًا من مقاعد مجلس الشعب «أى بنسبة تخطت 20%»، في حين أن الحزْبَين المتحالفَين معه كحزب البناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية لم يفز إلا بـ13 مقعدًا فقط رغم تاريخ الجماعة الطويل الحافل بالعنف ومراجعات نبذ العنف منذ السبعينيات. وأيضا فاز الأصالة السلفي بـ3 مقاعد.

هذا العدد من المقاعد الذي حققه حزب النور، لم تحققه الجماعة على مدار عمرها الطويل الذي تجاوز الثمانين عامًا وقتئذ.

لم تكن مشاركة حزب النور وفوزه بتلك المقاعد، من باب حب التواجد أو المشاركة وحسب، كلا، فإن الحزب كانت له مواقفه المؤثرة.

كتأييده للمرشح الرئاسي عبدالمنعم أبوالفتوح، في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وأشير إلى أن قيادات الإخوان منذ 2013 حتى يومنا هذا يُقِرُّون بخطئهم حينما قرروا الدفع بمرشح لخوض السباق الرئاسي عام 2012، لأنهم لم يكونوا أهلًا لتحمُّل المسئولية. ولقد تسبب قرارهم الخاطئ في عودة الجماعة لِما كانت عليه في عصر جمال عبد الناصر، وربما أشد. أى محلك رابح، كما وصف حالهم الشيخ الألباني رحمه الله.

ثم، لقد اتخذ حزب النور «حديث العهد بالعمل السياسي» موقفًا واضحًا من فتح الباب على مصراعيه أمام الشيعة الروافض، ولقد نظَّم الحزب ومعه جُلُّ علماء مصر، حملة ضد اتجاه الإخوان المسلمين الذي يهدف إلى التقارب مع الشيعة وفتح أبواب مصر أمامهم، تلك الحملة أجبرتهم على التراجع.

وأيضا أثار حزب النور الجدل حول قرض صندوق النقد الدولي. ومن أهم مواقف النور في عصر حكم الإخوان، أنه كان يرفض بعض الدعوات للنزول إلى الشوارع لتنظيم المليونيات، وكانت تصريحاته تقول: على رئيس الدولة اتخاذ ما يراه مناسبًا من قرارات تنجو بها البلاد.

كل هذه المواقف المؤثرة وغيرها كانت في عام واحد، في حين لا تجد لجماعة الإخوان موقفًا يُذكر على مدار تاريخها وعمرها الطويل، ذلك الفقر في الإنجازات أجبرهم على التفاخر بعدد السنوات التي قضوها داخل السجون والمعتقلات على مدار أعمارهم. حتى حرب أكتوبر لم يشاركوا فيها.

ثم جاءت مظاهرات 30 يونيو 2013، فكان موقف حزب النور معاكسًا تمامًا لموقف الإخوان المسلمين. ثم أعلن الحزب تأييده للسيسي رئيسًا لمصر. ومن هنا ثارت جماعة الإخوان وأنصارها لتصب جام غضبها على حزب النور بسبب مواقفه كلها منذ البداية مرورًا بتأييد السيسي، وصولًا إلى يومنا هذا، حيث إن الجماعة تَعُدُّ تحالفها مع النور خطيئة.

وأكرر، ما كنت يومًا من أعضاء حزب النور أو حتى من مؤيديه، وإنما التناول في ضوء الواقع السياسي، ومن ثم أقول، إن قواعد اللعبة السياسية المعاصرة في البلدان العربية وغيرها، تقضي بأنه لا رأي ولا تأثير لضعيف، وإنما أوراق اللعبة كلها بيد الطرف القوي، فمن أراد أن يشارك في اللعبة عليه أن يعلم أنه ضيف شرف ليس إلا، وذلك حتى تكتمل الصورة أمام المجتمع الداخلي والخارجي. وعلى هذا، فإن جماعة الإخوان المسلمين، قد شاركت في اللعبة السياسية على مدار تاريخها الطويل، وما كانت إلا ضيف شرف عديم المنفعة، سواء علموا ذلك أم لم يعلموا، بل كانت تعقد الصفقات وتبايع الحكام وتدخل في التحالفات، ومع ذلك لم يتهم أحدٌ أعضاء الجماعة بالخيانة. مع العلم، أن الإخوان شاركوا في اللعبة من باب السياسة وفقط، لا من باب الدين، بدليل، أنهم ما خطوا خطوة واحدة وهم في الحكم أو بعد إضاعته، تتفق مع الشرع، بل إن من علماء الأمة من أشار إلى غدرهم، كالشيخ مصطفى العدوي الذي قال: حسبنا الله فيمن عاهدونا وغدروا، في إشارة إلى مخالفات شرعية بدستور2012. وكالدكتور عبدالله بدر، الذي قال: أيدناهم من أجل الشريعة، ثم لما وصلوا إلى الحكم (لا شريعة ولا مريعة)، وكالشيخ الحويني الذي وجه إليهم اللوم بسبب التهاون والتراخي وإضاعة هيبة الحكم، ثم حذرهم من فتح الباب أمام الشيعة. وكالشيخ محمد بن عبدالمالك الزغبي، الذي وبَّخهم على انتشار الفوضى وانعدام الأمن، وأيضا حذرهم من بحور الدماء إذا فتحوا الباب للروافض. وكالشيخ محمد حسان الذي بشَّرهم بزوال حكمهم إذا ما تعاونوا مع الشيعة. وقد كان.

وأخيرًا، إن حزب النور تخلى عن بعض ثوابته التي كان يدافع عنها قبل 2011، ليشارك من حينها في اللعبة السياسية، وهو الآن يشارك مشاركةً لا تأثير لها سوى أنه متواجد وفقط، لأنه لا يمتلك القوة، وتلك هي القاعدة السياسية المعاصرة التي فهمها حزب النور «حديث المَولد» وارتضاها، في حين لم تفهمها جماعة الإخوان التي لا ثوابت لها، والتي احتفل أعضاؤها بمرور 90 سنة على تأسيسها منذ أسابيع قليلة! لقد خاض حزب النور تجربته وخرج منها بدون خسائر، وذلك على عكس جماعة الإخوان التي أدمنت الشكوى والبكاء واتهام الجميع بالتقصير والخيانة عقب كل نكبة تتسبب في وقوعها لتضر بأعضائها ثم بعموم الشعب المصري.

لذلك ينبغي تفكيك تلك الجماعة وما حولها من فصائل، لأنها باتت عبئًا وحِملًا ثقيلًا يحمله المصريون بل ويتحملون نتيجة ممارساتهم الغبية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد