يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( نحن قوم كنا أذلة، فأعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بسواه، أذلنا الله).

(نحن لا ننتصر بكثرة عددنا وعتادنا، وإنما بكثرة ذنوب أعدائنا، وطاعتنا لربنا، فإذا تساوت ذنوبنا مع ذنوب أعدائنا، انتصروا علينا بكثرة عددهم وعتادهم)، هذه هي القواعد الذهبية، للنصر الحقيقي، اليقيني على الأعداء.

إن التحرر من المحتلين، والغزاة المعتدين، من كافة الأجناس والأعراق والعقائد، الذين تقاطروا إلى سورية من كافة أقطار الأرض، بأعداد كبيرة، ومن دول كثيرة، يعجز الإنسان عن إحصائها، كل ذلك لمساعدة المحتل الأساسي، وهو عائلة الأسد، في تثبيت حكمها، وتشديد قبضتها على الناس، وإحكام الطوق في رقابهم.

إن تحرير الأرض والعباد، من رجس هؤلاء جميعًا، ومن بغيهم، وعدوانهم، وقتلهم المستمر للمستضعفين، من النساء، والولدان، والشيوخ الآمنين في بيوتهم، ليس بالأمر السهل، ولا الأمر الهين، كما أنه ليس بالأمر المستحيل، ولكن تكتنفه صعوبات، وعقبات جمة، ومشقات كبيرة، ويحتاج إلى تضحيات كثيرة، كما يحتاج إلى إعداد، وتخطيط دقيق، وإلى رجال أولي بأس شديد، ويتطلب سنوات مديدة، قد تستغرق عقودًا.

وأهم ما يجب على السوريين، وعلى الشعوب المظلومة، المقهورة، الثائرة الآن ضد المحتلين المفسدين، في العراق، ولبنان وسواها، أن يفعلوه، هو:

1- العودة إلى الله تعالى.

وهذا عنوان عريض، وعام، وقد يكون مبهمًا، وغامضًا لدى كثير من الناس، ويفهمه كل شخص على هواه.

لذلك لا بد من تحديده، وتوضيحه، وتوثيقه، وربطه بالأصول الشرعية، ليكون مفهومًا للخاص والعام.

فكيف تكون هذه العودة؟

1-1- تجديد الإيمان بالله، وتحديثه، فكما يتم تحديث البرامج الحاسوبية، وتحديث المعلومات الطبية، والهندسية، والتقنية وغيرها، كل حين، لتتواكب مع مستجدات العصر.

كذلك يجب على الناس، تنمية الإيمان في قلوبهم، وزيادته في أفئدتهم، استجابة لقول الله تعالى:

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِ) الأنفال 24.

وكذلك لتتوافق مع أوصاف المؤمنين، الذين ذكرهم الله تعالى:

(إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ) الأنفال 2.

1-2- الشعور في أعماق القلب، بعظمة الله، والإحساس بقيمته الكبيرة، وقدره الجليل، في كل ثانية من ليل أو نهار،

وليس كالمشركين، الذين لا يقدرونه حق قدره، ولا يهتمون به، ولا يعيرونه أي اهتمام.

(وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ) الزمر 67.

1-3- الولع الدائم والمستمر، بحب الله تعالى، والاستغراق في حبه، طوال ساعات الليل والنهار، وبحيث يتغلغل في شغاف القلب، ويهيمن على جوانح النفس، ويسيطر على جوارح الأعضاء كلها، مع الزهو، والتباهي، والافتخار بحب الله عز وجل، وتنفيذ أوامره بحذافيرها، كما وصف عباده المحبين:

(يَيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ) المائدة 54.

وكما قالت رابعة العدوية:

عَرَفْتُ الهَوى مُذ عَرَفْتُ هواك
وأغْلَقْتُ قَلْبي عَلىٰ مَنْ عَاداكْ
أحِبُكَ حُبَيْنِ حُبَ الهَـوىٰ
وحُبْــاً لأنَكَ أهْـل ٌ لـِذَاك

1-4- الخوف من معصية الله، ومحاداته، ومعاندته، والاستكبار عليه.

(قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ) الزمر 13.

1-5- الإخلاص في العبادة لله وحده لا شريك له، وتسبيحه آناء الليل وأطراف النهار، لتزكية النفس، وللإحساس بالعظمة، والقوة مع الله، ولتحصيل الرضى، والسكينة، والسعادة.

(إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ) الزمر 2.

(وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ) طه 130.

2- الدينونة الكاملة لله تعالى، بمعنى الخضوع، والاستسلام، والتذلل، والاستكانة لله وحده في كل شؤون الحياة، صغيرها وكبيرها، دِقها وجُلها، لا فرق بين السجود لله في الصلاة، والسجود له في القضاء، والسياسة، وإدارة الحكم، والاقتصاد، فكل هذا سواء.

إنه عبادة لله تعالى، في صور، وأنشطة متعددة.

فالذي لا يسجد لله في إدارة الحكم، ويحكم بقانون وتشريع بشري، ويرفع راية العلمانية، لا قيمة لسجوده له في الصلاة،

( أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ) البقرة 85.

3- المبادرة سريعًا، إلى التقاط الأيتام، وأبناء الشهداء، والأطفال الصغار دون سن البلوغ، سواء المتواجدين في المخيمات أو سواها، وتجميعهم في أماكن عديدة، للقيام بتعليمهم، وتربيتهم التربية الدينية، المبنية على التوحيد، والتأسي بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتدريسهم المنهج الإسلامي، لتكوين الجيل المؤمن الجديد، قبل أن تتخطفهم أيادي الروس، والمجوس، الذين يسعون، ويبذلون كل جهدهم لاقتناصهم، وإرسالهم إلى روسيا، وإيران، وتعليمهم على الكفر، وتدريبهم على السلاح، ومن ثم إعادتهم إلى سورية، لمحاربة أهلهم، وقتلهم، وهم لا يدرون أنهم أهلهم!

4- انتقاء الشباب، سواءً من أبناء الشهداء، الذين تجاوزوا سن البلوغ، أو سواهم من الشباب الآخرين، والعمل على تكوين نواة جيش التحرير، والبدء بتهيئته، وتعبئته، فكريًا، وعلميًا، وعقديًا، وأخلاقيًا، وسلوكيًا، وعسكريًا على منهج الإسلام الخالص،

5- العمل على نشر العلم بين أوساط الناس، وخاصة العلم الشرعي، الذي يبين الحلال والحرام، وحثهم، وحملهم على الوقوف عند حدود الله، واجتناب معاصيه، والتقيد بأوامره سلوكيًا، وعمليًا.

وإنشاء المدارس التي تعتني بفنون هذه العلوم، كما نشأت المدارس النظامية في العراق، إبان الغزو الصليبي لبلاد المسلمين، مما كان لها الأثر الطيب في إنشاء جيل صلاح الدين يوسف، الذي بواسطته استطاع تحرير الأقصى من الصليبيين.

6- وفي نفس الوقت، من الضروري جدًا، قيام الفصائل المسلحة الحالية، بتشكيل خلايا عسكرية فدائية، استشهادية، تقوم بأعمال حرب عصابات في مناطق الأعداء، واغتيالات لرؤوس قادتهم، وإحداث تدمير البنى التحتية، وتخريب جميع شبكات الخدمات الكهربائية، والمائية، والاتصالات، والطرق والجسور، وبث الرعب والخوف، في صفوف الأعداء، ومن يواليهم.

7- وقد يقول قائل: ولكن هذا الطريق، طويل، وشاق، ويحتاج إلى زمن بعيد.

نقول: نعم إن معركتنا مع المحتلين، الذين بنوا لهم قواعد عسكرية، وثبتوا أقدامهم في طول البلاد وعرضها، على البقاء لخمسين، أو مائة سنة.

لا شك، أنها طويلة، وقد تستغرق عقودًا وأجيالًا عديدة، ولا غرو في هذا، فالاحتلال الفرنجي للشام، بقي مائتين سنة،

ولكنه، في النهاية، خرج مطرودًا مذؤومًا، حينما استعادت الأمة، قوتها وحيوتها، ورجعت إلى ربها، لنستخلص من هذا كله،

نتيجة حتمية، تاريخية، وسنة كونية ثابتة، لا تتغير، ولا تتبدل:

كلما أدبرت الأمة عن ربها، وانهمكت في الشهوات، ومتاع الدنيا، وتركت الجهاد، تكالبت عليها الأمم، وأذلتها، وأهانتها، واغتصبت أرضها، وأعراضها، وكلما رجعت إلى ربها، وحملت راية الجهاد، حققت الانتصارات الباهرة على أعدائها، وهذا مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يرويه الإمام أحمد في مسنده:

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ بِأَذْنَابِ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ).

ويثبت هذه الحقيقة، ويؤكدها، قول الله تعالى:

(إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡ‍ٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ) التوبة 39.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد