كفاحنا ونضالنا وعزيمتنا كشعوب عربية تندثر، والسبب شاخص أمامنا إنه الفساد، لقد أصبح الفساد ظاهرة تثقل كاهل كافة المجتمعات دون استثناء ويترتب عليه نطاق واسع من الآثار الضارة والمدمرة، فهو يقوض أسس الديمقراطية وسيادة القانون ويؤدي إلى ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان ويخلق الأجواء المناسبة لتفشي الجريمة المنظمة ويساعد على المساس بالقيم الأخلاقية، فالفساد هو العدو الداخلي وهو الأخطر من الأعداء الخارجيين بكثير، لكونه يكثر الفقر والبطالة ويهدر أموالًا.

وعادة ما يحدث الفساد عند خطوط التماس ما بين القطاعين العام والخاص، فكلما كان لدى مسئول عام سلطة في توزيع منفعة أو تكلفه ما على القطاع الخاص فإن حوافز الرشوة تتولد، حيث يكون الأفراد والشركات الخاصة على استعداد للدفع مقابل الحصول على هذه المنافع وتجنب التكاليف.

إن للفساد آثارًا مدمرة ليست أخلاقية فحسب، بل لها تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية الباهظة ولعل أخطر ما ينتج من ممارسات الفساد والإفساد، هو ذلك الخلل الجسيم الذي يصيب أخلاقيات العمل وقيم المجتمع، مما يؤدي إلى شيوع حالةٍ ذهنيةٍ لدى الأفراد تبرر الفساد وتجد له من الذرائع ما يبرر استمراره، ويساعد في اتساع نطاق مفعوله في الحياة اليومية.

لقد أظهر التقرير الأخير الذي نشرته منظمة الشفافية العالمية أن جميع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية والبالغ عددها 21 دولة، لا تزال تحافظ على ترتيبها في سلم الفساد العالمي.

وجاءت نتائج معظم الدول العربية في المؤشر مخيِّبة للآمال، حيث حصلت على تقدير متوسط 35 درجة من درجات المؤشر البالغة 100 درجة، حيث تمثل هذه النتائج تحذيرًا من إساءة استخدام السلطة والتعاملات السرية والرشوة.

وإننا لو نظرنا إلى حالات الفساد وهي كثيرة فسيتبين لنا أن معظمها تبدأ من المسؤولين الحكوميين أو حتى موظفي القطاع العام ممن يتمتعون بصلاحيات معينة، ودون أن نذكر دولة معينة من دولنا العربية فإن الفساد يستشري في هذه الدول وبشكل مخيف، ولذلك نجد عجز الموازنة العامة للدول، وضعف مستوى الإنفاق العام على السلع والخدمات الضرورية، وانتشار الفقر والبطالة والجريمة.

إن صلاح أي دولة ونهوضها ورفعتها تكون بخطوة أولى في محاربة الفساد بكافة أشكاله، سواء من الرشوات التي يقدمها الأفراد للسلطات للحصول على امتيازات أو إعفاءات أو غيرها، والمحسوبية والواسطة التي تهدر حق الكثيرين من الشباب أصحاب القدرات والمؤهلات العلمية والعملية، ولنا أن ننظر إلى بعض الدولة التي أصبحت من الدولة الصاعدة والمتطورة في مجالات متعددة بعد أن حاربت الفساد بشكل كبير ومنها ماليزيا وتركيا.

ومن وجهة نظري، فإن أفضل وسيلة لمحاربة الفساد هو أن تكون هنالك خطة إستراتيجية شاملة لإعادة العدل بمختلف صوره في المجتمع من القمة إلى القاعدة، والعكس، وإنهاء الظلم وأشكال الاستغلال في كل المجتمعات من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع دائرة الرقابة الشاملة والمساءلة من جانب المجالس التشريعية والنيابية، والأجهزة الرقابية، ومنظمات المجتمع المدني لتحقيق درجة أكبر من الشفافية والنزاهة والمساءلة والإدارة السليمة للشئون العمومية.

ويبقى في الأخير إن ظاهرة الفساد خطر كبير على المجتمع، ويؤثر سلبًا في كل فرد يعيش فيه؛ لذا فيجب أن نكون يدًا واحدة في مواجهة هذا التحدي، والقضاء على الفساد بأقرب وقت، وأن نضع قوله تعالى نصب أعيننا : ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)﴾ (سورة البقرة)، وأن يبدأ كل فرد بالأسرة بنفسه، لنعزز الشفافية والموضوعية في حياتنا اليومية، لبناء مستقبل مشرق وواعد، وتأمين حياة أفضل لأجيالنا القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد