اتخذت تركيا قرارها الواضح ببناء مجموعة من التحالفات الجديدة على مستوى خريطة العالم بعد محاولة الانقلاب الدولية الفاشلة ضدها، تحالفات قد تؤذن بتحولات حقيقية وكبيرة في عدد من ملفات الشرق الأوسط، فيما يتصل بسوريا والعراق وتوجهات أمريكا نحو آسيا، وطموحات إيران التوسعية، وشبكة العلاقات الإسرائيلية الضاغطة وغيرها.

التوجهات التركية الدولية ليست سهلة بالمطلق، فهي تحتاج لجهد سياسي وتخطيط دقيق وواسع ويأخذ بعين الاعتبار الآثار والتداعيات المحتملة لكل خطوة، وهي ليست سهلة لأنها ستصطدم بالمخططات الغربية والإقليمية التي لا ولن تقبل بتركيا قوية قادرة على فرض رأيها في المنطقة،  وليست سهلة أيضا لأنها تحتاج لاقتصاد وقرار سياسي داخلي تركي قوي وقادر على استيعاب حجم التغيير المطلوب.

بكل تأكيد، مثل هذه التحولات وتداعياتها والمخططات المضادة لها، تحتاج إلى سند حقيقي لتركيا في حال أريد لها أن تنجح، سند سيكون المستفيد الأكبر من نجاح تركيا في خطواتها التغييرية القادمة.

ربما يظن البعض أن الحديث ينحصر في السعودية أو قطر أو بعض الدول الفقيرة، ولكني أقصد هنا أقوى دول العالم التي قد تغير التحالفات معها شكل الكرة الأرضية، مثل الصين والهند والباكستان وأندونيسيا واليابان ودول الخليج ناهيك عن روسيا وفضاء التعاون والتنسيق العميق معها.

لا غرو أن القيادة التركية الحالية واعية بما فيه الكفاية لطرح مبادرات على المدى القصير والمتوسط، وهي قيادة متقدمة على وعي شعبها بكل تأكيد، ولديها الكثير من مرتكزات القوة ومبادرات الواقع الجيوسياسي، ولا زالت تلعب بعدد من الأوراق القوية بيدها، ويمكنها استخدامها بكل قوة في فرض رأيها على الساحة الدولية، كالجغرافيا الإستراتيجية التي تتمتع بها، والقدرات الاقتصادية والسياحية، وعضويتها في حلف الناتو، وتحالفاتها مع عدد من الدول بما فيها بريطانيا والصين واليابان ونحوها، كل هذا يمنحها أوراق ضغط جيدة في مفاوضات الحوار العالمي، أو على ساحة الحرب الميدانية إن فرضت عليها لإثبات ذاتها بقوة العضلات.

لكن الأمر الهام هنا، هو السبق الذي لا بد أن يحظى به العالم العربي في التوجهات التركية الحديثة، بحيث لا يكون عنصراً هامشياً يتم استحضاره وتهميشه بحسب التوجهات والمصالح التركية، بل هو شريك إستراتيجي ضامن وضابط في أي معادلة، وشريك في التغيير وصناعة المكانة الدولية الجديدة، وأنا هنا أتحدث عن الدول العربية الكبيرة بحضورها وقتها وحضورها الدولي بداية، وانتهاء بالدول العربية التي يكون لدخول اسمها في المعادلة معناه وأثره.

بمثل هذه التحالفات يمكن لتركيا والعالم العربي أن يخرجوا من عنق الزجاجة الفعلية، وأن يقلبوا الطاولة على المحاولات التي تستهدف زعزعة الخليج وشمال أفريقيا ووسطها وتركيا بمخططات الحروب وداعش والاستنزافات العشوائية، بل وغير المفهومة من أجل أشغال المنطقة في صراعات لا نهاية لها تحرق الآمال قبل أن تحرق الأخضر واليابس.

الخسارة هنا برأيي ستكون بحق العالم العربي في حال تأخره أو رفضه هذا النمط من الشراكة الهادفة والسريعة، وخسارة تركيا ستكون بصورة أقل مع  هامش ربح تضمنه لها مبادراتها، ولذلك أحببت أن أطرق الموضوع قبل أن تقع الفأس بالرأس، مخاطباً دول الخليج وشمال أفريقيا بأن تكون السباقة لفرض المخططات والرؤى لمعادلة إقليمية قوية يكون القرار العربي التركي فيها مؤثراً ومستجاباً.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد