أوضحت مسيرة باريس، التي نظمها نحو 50 من قادة العالم لمواجهة خطر الإرهاب، مدى الانفصام العقلي (شيزوفرينيا) الذي يعاني منه قادة العالم لا سيما الدول التي أعلنت نفسها حليفة للولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

“حارب الإرهاب، وقف بجانبه”. هذه أفضل عبارة يمكن أن تقال على القادة المتراصين جنبًا إلى جنب في الصفوف الأولى في مسيرة باريس، في مشهد قال عنه الرئيس الفرنسي: “إن باريس باتت عاصمة العالم”.

وقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس منددًا بالإرهاب، يقف بعده في نفس الصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منددًا بالإرهاب، ونسى عباس أو تناسى أن نتنياهو كان قد اتهمه بالتحريض والعنف أثناء الحرب الأخيرة على غزة في أكتوبر الماضي.

عباس بطبيعة الحال لم يسلم من اتهامات أفيجدور ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلي الذي اتهمه هو الآخر في وقت سابق “بمساندة الإرهاب ودعمه على الأراضي الفلسطينية، فضلاً عن ممارسته للإرهاب السياسي”. فيما كان – أيضًا- ليبرمان يشارك عباس في تنديده ضد الإرهاب بباريس!

أعود ثانية إلى مظاهرة باريس، والتي شارك فيها تمثيلاً لمصر وزير الخارجية المصري سامح شكري، والذي حث فرنسا خلال زيارته على أن تحذو حذو مصر في مكافحة الإرهاب، شارك هو الآخر وزير الخارجية التركي داود أوغلو في مسيرة باريس المنددة بالإرهاب، ولا يخفى عن أحد منكم الاتهامات التي توجهها القاهرة إلى أنقرة بمساندة ودعم الإرهاب والعمل على تنظيم معسكرات تدريب لداعش، فضلاً عن اتهامات أوروبية لتركيا بأشياء من هذا القبيل. ولا أدري كيف تحارب الإرهاب وتقف بجانب من يدعمه.

إن الإرهاب عند هؤلاء عبارة عن قصاصات من الورق تكتب أو بيانات تتلى أو سياسة تقتضيها متطلبات المرحلة أو الموقف، وعندما يقرأ ما في الورق وتقتنع الجماهير بمحتواه، يعود كل شيء إلى مجراه الطبيعي “الكتف في الكتف يستوي الصف”، وينتهي المسلسل على أن تعاد حلقاته في وقت لاحق.

هناك في باريس تجتمع التناقضات ويحارب الإرهاب نفسه، وهذه أفضل نتائج القضاء على الإرهاب؛ حيث لا يفل الحديد إلا الحديد.

إذا كان قادة الغرب وحلفاؤهم أرادوا إيصال رسالة للعالم كله بأن “شارلي إيبدو” وحدتنا ضد الإرهاب، فمن الأولى على قادة العرب أن يتوحدوا في مسيرة ضد الإرهاب الإسرائيلي المنظم تجاه إخواننا في غزة، ويقفون صفًّا واحدًا ضد الإرهاب تجاه السوريين، وضد دعاوى العنف والتحريض التي انتشرت في المجتمع الأوروبي للمطالبة بتهجير المسلمين هناك. إذا كان لديهم “شارلي إيبدو” فنحن لدينا سوريا وغزة ومصر واليمن.

الاهتمام الكبير الذي حظى به حادث شارلي إيبدو من جانب وسائل الإعلام العربية، وتباري القادة العرب في إظهار حسن نواياهم وتعازيهم الحارة تجاه القتلى، يدل على أننا ما زلنا نعتقد أننا أولاد البطة السوداء، وأن البكاء لن يكون إلا على أصحاب البشرة البيضاء، هم (أي القادة العرب) ما يزالون يؤمنون بأننا زنوج العصر الذين تقطعت بهم السبل وهوت بهم الريح إلى مكان سحيق، وأصبح دمنا لبنًا مسكوبًا لا يستحق البكاء عليه.

 

هل تريد أكثر من ذلك؟ رُصد وقوع أكثر من 50 عملاً مناهضًا للمسلمين في فرنسا منذ الاعتداء الذي استهدف صحيفة شارلي إيبدو، وذلك حسبما أعلن مرصد مكافحة الإسلام فوبيا التابع للمجلس الفرنسي للديانة المسلمة، لم نسمع إلى الآن صوتًا عربيًا واحدًا يدعو إلى احترام مساجد الله، وتحميل قادة الغرب مسؤولية أي إيذاء نفسي أو مادي على المسلمين.

اختتم مقالي هنا برسالة تداولها المسلمون الفرنسيون على “واتس آب” بمقاطعة ليون عقب هجوم شارلي إيبدو، حصلت عليها من أحد المسلمين هناك، وترجمت إلى الآتي:

“نقلاً عن صديق أخت البنت التي تعرضت للاعتداء، ترقد حاليًا في المستشفى، واحدة من الأخوات تعرضت لاعتداء أثناء طريقها لمحطة مترو “شاربن” في مدينة ليون من قِبل مجموعة سكين هيد “حليقو الرؤوس” ونزعوا عنها الجلباب، وبدأوا في ضربها بعنف.

ولم يحاول أحد من المارة أن يساعدها أو ينقذها من أيدي المعتدين. رأى اثنان من الإخوة الاعتداء، وحاولا إنقاذ الفتاة واشتبكا مع اثنين من المعتدين ولاذ الثالث بالفرار، ثم نقلاها إلى المستشفى، وتبين إصابتها بكسر ضلعين وكدمات وجروح متفرقة في الجسد، بالإضافة إلى تعرضها لصدمة عصبية. حاليًا هناك ثلاث بنات أخريات تم التعرض لهن في ميرموز في ليون”.

“انشر هذه الرسالة حتى يأخذ البنات حذرهن ولا يسيرن بمفردهن. شارك، انشر، خد بالك”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد