يبدأ الطريق من التخلي عن كل فكر سوى ما كان وحيا كما فهمه الرسول –صلى الله عليه وسلم- وصحابته، ثم التشبع برسالة الوحي، فإذا ما فهمناها ووعيناها، نشرناها بين الناس، وإذا ما فهمناها ووعيناها أدركنا أن هذه الرسالة مكانها أن تكون منهجا للحياة، وأن تشكّل هي واقعنا لا العكس، وأدركنا أن تحقيق هذه الرسالة لا يمكن إلا بقلب نظام هذا العالم ليعود إلى وضعه الصحيح –كما يرضي الله- وأدركنا أيضا أننا لن ندرك هذه الرسالة حق الدراية إلا حين نختبرها في واقعنا، فنختبر استيعابنا واصطبارنا عليها، وأن رسالة تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، لن تكون إلا بمقاومة كل أشكال العبودية: سياسية واقتصادية واجتماعية.

ونفترض أن هذه المقاومة تتطلب قدرا من التنظيم والمواجهة الواضحة على كل المستويات، وأن التغيير لن يحدث بواسطة البناء المتريث للمجتمع، ولا الإصلاح الذاتي للفرد وخلاصه الفردي، فيأتي التغيير على المدى البعيد نتيجة «أثر الفراشة»، أي نضرب بعرض الحائط كلمات الدراويش من المتمسحين بالأضرحة أو المراكز البحثية على حد سواء! فلا النظام العالمي بشكله الحالي يسمح بمثل هذا التغيير المسالم، ولم يحدث في التاريخ أصلا أن قادت هذه المشاريع «وحدها» تغييرا وإن كان بالطبع لها أثرها في حركة التغيير، بل ولا يُبنى المجتمع ولا ينصلح حال الفرد إلا في خضم هذه المواجهة.

ثم نعود إلى الوحي ليعطينا «كتالوج» العمل السياسي، فلا نجد إلا رسائل حاكمة، وأطرا ضابطة، وخطوطا عريضة –ودقيقة- لكنها لا تقدم لنا خطوات ثابتة، ولا نتائج حتمية، لحكمة قضاها الله وأوكل إلى البشر بمقتضاها ترجمة الرسالة إلى واقع الحياة الاجتماعية المتغيرة، ليكون الابتلاء والاختبار ويكون هنا موضع الأيدلوجيا!

موقع المشكلة:

من خلال تعريفات كثيرة ومتنوعة للأيدلوجيا، يمكن النظر إليها على أنها مجموعة أفكار مترابطة بدرجة ما، تشكل أساسا للعمل السياسي المنظّم، لإحداث التغيير المطلوب، هي أيضا تأخذ شكلين، شكل التنظير في الجوهر، والحراك المنظم في التنفيذ.

ومن ثم تحتل الأيدلوجيا –بالنظر إليها على أنها طريقة ترتيب للأفكار- مركزا وسطا ما بين الأفكار الكبرى، والأفكار التفصيلية العملية الدقيقة، أي أنها تترجم الأفكار الكبرى، إلى خطوط وبرامج عمل كبرى.

فإذا أردنا الترتيب، وجدنا أن العقيدة مثلا، تقوم بمعالجة أفكار كلية لها ضرب من الثبات ترتبط بالوجود الإنساني وعن علاقته بالإله والكون والحياة، ثم مستوى أكثر تفصيلا ومرونة يتمثله النصوص المرجعية المرتبطة بكثير من قضايا الحياة والتي يتم الرجوع إليها بصفة دورية، أما الأيدلوجيا فهي الأفكار المتغيرة بإطراد، وليدة الزمان والمكان، المعالجة لقضايا الإنسان المعاشة، التي تستلهم من النصوص المرجعية والعقيدة الثابتة أسس برامجها العملية.

ولم يحدث أن شوّه مصطلح بقدر ما تشوه مصطلح الأيدلوجيا على يد أصحاب الأيدلوجيات أنفسهم، الذين كانوا يعتبرون أن أفكارهم هي خط الأساس للبشرية وأن الأيدلوجيات هي شكل من الانحراف أو التضليل أو الحفاظ على المصالح الشخصية، وكارل ماركس هنا هو أكبر مثال، إذ أخذت الأيدلوجيا تكوّن الرؤية الكونية بذاتها، مما يحتم مراجعة مفهوم الأيدلوجيا -خصوصا بالحديث عن الأيدلوجيات الكبرى «الغربية» كالليبرالية والشيوعية- أهو يعبر عن تصور للنظام في شكل الرؤية الكونية، أم مستوى من مستويات ترتيب الأفكار التي توفر أساسا للعمل السياسي –وهو المفهوم الذي نفترضه-، والاهتمام بهذا التفريق يمنع دون وصم رؤية كونية أو عقيدة بأنها أيدلوجيا، في إطار الحرب عليها واحتوائها.

البؤس الإسلامي:

في السياق الإسلامي تتخذ المشكلة بعدا آخر، حيث تضخمت الأيدلوجيا لتتماهى مع الدين بما يشبه الحلول والاتحاد، فصارت ثوابت الأيدلوجيا هي ثوابت الدين والدعوة إلى الأيدلوجيا بمثابة الدعوة إلى الإسلام، وبينما يصنف الإسلام الناس إلى أمة دعوة وأمة استجابة، بكل ما تحمله الكلمات من رحمانية ورسالية، صار التصنيف إلى محبين ومؤيدين والدعوة تحولت إلى استقطاب وحشد، لم تكن المصيبة في هذا فحسب بل كانت في احتكار العمل الإسلامي في هذا الطريق، واختفاء الفواصل بين الثوابت والمتغيرات والمسلمات والاجتهادات، وأن اصار الدين محض أيدلوجيا!

وصار التخلص من تبعات هذه الحركة وأخطائها، يستلزم تحررا ونقدا ونقضا لأيدلوجيتهم، لكن الخط قد امتد لنقض الأيدلوجيا بحد ذاتها، ثم إلى حالة من السيولة والعشوائية بل واللامبالاة وافتقاد الوجهة تماما، بدعوى الفصام مع الأيدلوجيا والتفرغ لرسالة الوحي الخالصة، لنعود إلى نفس المشكلة ولكن باسم الثقافة الإسلامية تارة والوعي الإسلامي تارة ومقتضيات الوحي أطوارا.

ولا يلتفت صاحب هذا التوجه وقتها إلى أنه صاحب أيدلوجيا وأن الكل أصحاب أيدلوجيات، حتى هؤلاء «اللامنتمين» والمبشرين بعصر «نهاية الأيدلوجيا» هم أصحاب أيدلوجيات اسمها اللاانتماء ونهاية الأيدلوجيا بل هم أكثر الناس تماهيا مع الأيدلوجيا المهيمنة اليوم.

ولا يلتفت صاحبنا إلى أنه إما أن يحمّل النص ما لا يحتمله من فهمه هو له وتطبيقه إياه، أو أنه ينتقص قطعة من روح رسالة الإسلام بإهماله واقعها الدعوي والجهادي العملي، بل ويتماهى مع الأيدلوجيا المهيمنة ويضفي لها مشروعية الرضا، أو مشروعية الصمت بل والمشاركة!

باختصار وكما يقول مثلٌ مشهور «إن لم تكن صاحب خطة فأنت بالتأكيد جزء من خطة آخر» فإنك إن لم تكن صاحب أيدلوجيا للتغيير فأنت جزء من الأيدلوجيا المهيمنة!

وإلا فكيف يمكن العمل من أجل إقامة حكم الله وتحكيم شريعته؟ وكيف يقوم الناس بالقسط؟ وكيف يُستبدل شكل الدولة الحالي ببؤسه القومي والبيروقراطي؟ وكيف لمنظومة الربا أن تسقط؟ بل كيف نضمن –على المستوى الفردي- ألا نستمر في الرضوخ لآلة الاستعباد الاقتصادية؟ أو أن يؤول أمرنا إلى مدربي تنمية بشرية أو كتّاب مرتزقة فارغين؟!

الواضح أنه لا يمكن الفكاك من هذه الأزمات –الوجودية- إلا بخط مقاومة واضح، له أيدلوجيا واضحة، تستلهم من الوحي محدداتها وتستقي من السيرة أفعالها، وتضيف إلى الحركة روحها في السير بأهداف واضحة قريبة واقتناص الفرص وتوفر الحاضنة المجتمعية لمشاركة الأفكار ومراجعتها، فترى في كل خطوة صغيرة اقترابا من الحلم الكبير، فيظل الحلم باقيا، وتختلط المشاعر على نحو لا يمكن تخيله إلا لمن ذاقه، فنضع هذه الروح في موقعها الصحيح، ونقضي على التعصب الأعمى بالتعصب الواعي على حد تعبير على شريعتي: «إن التعصب الواعي وحده يستطيع نفي التعصب الأعمى، فالمثقف الذي يريد القضاء على التعصب الأعمى ينبغى أن يتعصب هو، فالتعصب يعني بالضبط الالتزام بعصبية معينة، أي الانتماء لنهج أو قضية معينة» وبقدر ما تكون القضية واعية يكون التعصب واعيا.

هل ما نطرحه صعب المنال؟!

بالطبع يكون الحال صعبا، إذ يستلزم الأمر صدقا وتجردا غير مسبوقين، كأن تقول: إن الوحى يقول كذا، وفهمي له وتنزيلي إياه كذا، فاطعنوا بكلامي ولا تطعنوا بالوحي، له ثقله على النفس، وأن تتخلص من تبعات أي أيدلوجيا من حيث التعصب والاعتداد بالرأي وازدراء المخالف، والاهتمام المفرط بالأعداد الغفيرة، والتضخم والاغتراب، ويكون صعبا كذلك في حالة نعيشها اليوم تبحث عن أبسط وأسرع الحلول وأكثرها راحة، أو تعتبر من يدلي بصوته في الانتخابات فقد كفى ووفى ما عليه وزيادة!

إذ يتطلب الأمر أول ما يتطلب اعتماد «الورع» و«اتهام النفس» و«النقد الذاتي» أسسا للعمل، ويتطلب موازنة بين الثقة بالرأي والتجرد للحق، واتساعا في الأفق ليقبل الخلاف، وتمركزا للفكرة وسط التنظيم، يتطلب الأمر قادة يتمتعون بالنقد الذاتي وأفرادًا يتمتعون بالعقل الكافي ليجعلهم فاعلين وناقدين لا مجرد تابعين.

يتطلب الأمر إدراك المساحة بين الثوابت والمتغيرات، بين النسبي وبين ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين ما يستحق أن تراق من دونه الدماء، وبين ما لا يعدو إلا جولة خاسرة.

فإذا ما كان ذلك كذلك فلن تتجاوز صعوبة الأمر فهم وقول الصحابي الجليل يوم بدر يا رسول الله «أمنزل أنزلكه الله، أم هي الحرب والرأي والمشورة؟» بهذه البساطة فهم الصحابي، هذا كل ما نريد.

سبيل الوضوح:

ومن ثم يكون الثابت الوحيد هو الوحي، وتكون صحة الأفكار المطروحة مرهونة بمدى اقترابها منه، وقدرتها على استيعاب النص وتنزيله، ويكون الاسترشاد به في الوسائل قبل الغايات، عاصما من الخطأ ومرادفا لسير القدر.

إن هذا الوضوح في الطرح في الحقيقة هو الوحيد الذي يحافظ على «نقاء الراية» وعصمة الوحي، فطرح الرأي على أنه رأي، ينفي عنه صفة العصمة، لتظل ملتصقة بالوحي وحده، ووضوح الطرح هذا مفتاح العمل النظري الخادم للواقع، بعيدا عن الاستغراق في ترفٍ فكري أو معالجة قضايا تفصيلية لا تفيد سياقنا الحضاري، وأن اعتقادا بأن الإسلام منهج للحياة يُلزم ترجمة واضحة له، وواقع الطغيان والاستعباد اليوم يجبر الإنسان السوي للسعي إلى التخلص منه والبحث عن سبيل للرشاد، فكيف إذا كنا نحمل الهداية بيميننا ولا نلتفت إليها ولا نوقد شعلتها للبشرية!

ما يميّز الأيدلوجيا الواعية المنبثقة عن التصور الإسلامي أنها إيجابية في واقع اللامبالاة، حركية في واقع الثرثرة، معرفية في واقع التجهيل، أن أحكامها تجاه الواقع البائس تدفعها بروح من الأمل –أو اليوتوبيا- إلى العمل من أجل التغيير، هذه البوصلة محددة ومميزة ؛ فالكل ينشر المعرفة باعتبارها وعيا، فواحد من أجل أدلجة بائسة مقيتة، وثانٍ للتأطير وثالث للتقعيد والتخذيل ورابع للتحريض وقليل ما هم!ن أن اعتقاد بأن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأيدلوجيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد