هل ينتهز الأردن فرصته لتحقيق مكتسبات سيادية ووطنية في مواجهة اليمين المتطرف اليائس؟

تعلمنا من التاريخ في هذا السياق شيئين اثنين: الأول أن الحق يؤخذ عنوة، لا بالترجي والتمني والدبلوماسية؛ والثاني هو أنه يؤخذ في لحظة تاريخية يجب ترقبها عند نضوج الظرف الموضوعي.

وحتى تتمكن من انتزاع حقك عنوة فعليك أن تكون جاهزًا عندما تأتي لحظتك، والعنوة لا تعني بالضرورة حربًا بالمفهوم التقليدي.

الهند، مع التحفظ على نتيجة ثورتها، طردت الجيش المستعمر من بلادها بالمقاومة السلمية. وجنوب أفريقيا شرحه. ليس كل مشروع مقاومة يكون بالحرب والترهيب.

وهنالك طبعًا ثورات مسلحة، مثل ثورة الأمريكان ضد الإنجليز، وحربهم الأهلية، وثورة ماو للتوحيد والتحرر، وثورة الفيتنام ضد المستعمر، والجزائر، والثورة البلشفية.

لا تكون الحرية بالترجي والتملق والتآمر في قاعات ودهاليز المؤسسات الدولية ولا ينتظر الحر مباركة الشرعية الدولية، بل ينتزعها بذكاء، كما فعل مانديلا مثلًا.

ما عهدناه من الدبلوماسية الغربية هو التشجيع على الانبطاح والتنازل والسعي لارضاء كل أطراف أي نزاع، ما يساوي بينهم، وهذا مرفوض قطعًا.

في سياق فلسطين، إذا اعتبرنا حسن النية، فإن الدبلوماسية لطالما تسعى إلى إرضاء الطرفين: المغتصب، والغاصب. والنتيجة كانت أن المغتصب تلقى معاملة الغاصب، بل وأقل حتى، في حين كان الغرب باقتصاده وإعلامه وعسكره كله في دعم الغاصب ضد المغتصب. بل تم إلصاق تهمة الإرهاب بالفلسطيني المقاوم.

الأردن لطالما حاول أن يلتزم بالقوانين، ليس لأن ذراعه ملوية فحسب، على تقدير البعض؛ وهو ما لا أتفق معهم عليه، بل إيمانًا منه بجدوى مشروع السلام كأولوية مطلقة من أجل الحفاظ على استقرار المنطقة وإنهاء التنازع المستمر فيها منذ عقود.

لكن ولأن الذاكرة القومية لشعوب الأمة العربية قوية، على عكس ما نظن ونفترض، فقد كان قبول الناس للتنازل والانهزام والتسويات صعبًا، ما اضطر القيادات الإقليمية والدولية إلى اتباع سياسات التجويع والإفقار لاخضاعهم إلى أمر واقع ما كانوا ليقبلوا فيه لو كان ظرفهم مغايرًا لواقعهم. والحقيقة هي أن المادة، الاقتصاد، يعلو عمليًا فوق كل شيء، رغم أن الوجدان الوطني وارتباطه بفلسطين يجمع معظم أبناء المشرق والمغرب العربي على مركزية الصراع مع الاستعمار والاحتلال. وهو شعور حقيقي، لكن الفقر كافر.

بالنتيجة، وصلنا إلى ما وصلنا إليه؛ لا فقط في الأردن، بل في معظم المنطقة العربية ودولها المحورية في الصراع العربي التحرري.

أما القيادات، فعلى كل حنكتها، ربما كان الأجدر أن تتعلم من كليلة ودمنة.

أكلت يوم أكل الثور الأبيض

اليوم، يجد الأردن نفسه في موقف لا يحسد عليه، بعد عقود من المساومات من أجل السلام والمبادرات.

فبعض الدول العربية تعدت على دوره الضامن للتوازن الإقليمي في ظل الثقل الصهيوني الأمريكي الجارف. وهذا مقابل حصولها على الدعم ضد البعبع الإيراني. وتستعد هذه الدول لتحييد الأردن ودوره في تحقيق مبادرة السلام العربية التسووية الانبطاحية أصلًا، والتي أصبحت اليوم قضية واقعية يحارب من أجلها محور عربي أوروبي آسيوي جامع.

فحتى تنجح الدول العربية الغادرة في تحييدها الأردن، تفتح بوابة التطبيع مع الاإقليم العربي على مصراعيه أمام الكيان الصهيوني، ليتم الاستغناء عن الدولة القابعة على طول النهر وشروطها، في سبيل تشكيل تحالفات جديدة.

بالطبع، وكما أنذر بعض سياسيي تلك الدول، فإن غدرهم للأردن سينعكس عليهم بالكوارث، عاجلًا أم آجلًا.

عمومًا هذا انعكس سلبًا على قدرة الأردن التفاوضية، بالذات مع صعود اليمين الامريكي، الذي عمل جاهدًا على تحقيق مكتسبات ضخمة وتاريخية للصهاينة والنفطيين والصناعيين الأمريكان، ليضمن مكانًا له في المستقبل السياسي الامريكي، ولو لم يكن في البيت الأسود.

الأجدر بالذكر أن ثقل اللوبي الصهيوني في أمريكا يقدر بثلث القوة السياسية الضامنة لنجاح المرشحين في الانتخابات تقريبًا، بسبب تشابك علاقاته مع القطاعات الصناعية والحيوية الأمريكية. فهو حتمًا ضمن الثلاثة لوبيهات الأقوى في أمريكا على الإطلاق.

في سياق فشل ترامب سياسيًا على صعد مختلفة، محليًا وضمن إقليمه الأمريكاني، فإن ما قدمه اليوم للصهاينة يعتبر بمثابة إنجاز تاريخي لم يحصل من قبل، ضاربًا عرض الحائط أي اعتبارات للدبلوماسية الأمريكية ودورها كصانع سلام.

مرة أخرى، تنجح أمريكا في فرض عضلاتها؛ ما وضع الأردن، في ظل التخلي العربي الجزئي عنها في موقف صعب.

الأردن عمل جاهدًا عبر السنوات الماضية على التصدي لهذه السياسات والتوجهات، وهو يقود الحربة عالميًا مناديًا بحل الدولتين على أنه الضامن الوحيد للسلام.

وبعد عقود من غسل الأدمغة، أصبح الساسة العرب يستخدون كلمة فلسطين لوصف الضفة الغربية وغزة، دون خجل، وأصبح بعض الناس اليوم يهللون للمواقف المتهافتة التي اختزلت فلسطين بثلث القدس وثلث أرضها التاريخية من النهر إلى البحر.

على أية حال، فالواقع هو أن حتى ما تبقى من فلسطين اليوم في مهب الريح، ومعها الأردن وسوريا وعدد من الدول العربية التي ستواجه قريبًا مطالبات صهيونية بأراض يهودية عمرها ألفي عام، لا تمت للصهاينة الأوروبيين والأفارقة هؤلاء المهاجرين إبان الحروب العالمية وبعدها بصلة.

مبدأ «خذ وطالب» الناريخي فشل. ولم يكن أصلًا ناجحًا.

فما يمنع الطاغية القوي من التعدي مرارًا وتكرارًا على ما أخذت أنت وما تطالب به إن كنت دونه والعالم بصفه؟ وهذا ما يحدث اليوم، لأن حقيقة السياسة الخارجية الأمريكية أنها لم تكن يوم تسعى إلى سلام عادل في فلسطين، بل إلى سلام يحقق غاياتها الجيوسياسية والاقتصادية.

في المقابل، ما فشل العرب في فهمه هو أن أي مشروع سلام لا يحقق السيادة الفلسطينية على أرض فلسطين التاريخية ليس سلامًا عادلًا.

كان بالإمكان حتى أن تطرح مبادرة صفح، على غرار مبادرة مانديلا، ليسكن المهاجرون جنبًا إلى جنب مع السكان الأصليين الفلسطينيين، دون حرب ولا احتراب، كفلسطينيين كلهم، بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم.

لكن الغرب يريد أن يزرع جسمًا غريبًا في المنطقة، وكان هذا في أدبيات كامبل بينرمان من بدايات القرن العشرين.

على المنطقة.. والأردن تحديدًا.. حسم الموقف من فلسطين

إن المعارك الدونكيشوتية التي سبق وتكلمت عنها في الأعوام السابقة، التي أدت إلى تراكم الدعم والشعبية للقيادة الأردني ليست كافية لاستمرار هذا الدعم عندما يظهر لنا اليمين الصهيوني أنيابه. لا يكفي عندما نواجه حقيقة أنه لا يأبه لنا، وقد ربطنا عمق وجودنا بتحقيق «قضية اليسار الصهيونية»، أي حل الدولتين، وتأمين السلام للمحتل الغاصب، عوضا عن غرس جذورنا في عمقنا الاجتماعي التاريخي الوطني الأردني الرافض للمساومة والاحتلال.

هذا ليس إعلان حرب، أبدًا. ولا هو المطلوب أصلًا.

المطلوب هو فض كافة الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني ورد الاعتراف بشرعيته وقانونيته والتعامل معه كما هو فعلًا: كيان استعماري فاشي الطابع، متجذر في داعشيته التلمودية، عرقيًا ودينيًا.

لن يفيد هذا الإدماج الاقتصادي المشغول عليه منذ مؤتمر مدريد في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. ليس يفيدنا خط الغاز ولا ناقل البحرين ولا وظائف للأردنيين في إيلات.

الآتي ليس سلامًا، وليس معقولًا أني وحدي الذي أرى ذلك. متأكد ان الكل يرى ما أراه.

هو ليس إعلان حرب، وإنما تدعيمًا للموقف التي اتخذها الأردن بخطوات حقيقية الآن وقد برزت نوايا داعمي السلام المدعين.

هل نسينا أن الكونجرس الأمريكي صوت على الاعتراف بالقدس المحتل عاصمة أبدية للكيان الصهيوني قبل إعلان ترامب بحاولي عقد ونص؟ وأن السبب الوحيد لتأجيل إعلانه عبر السنين كان أن السياسيين الأمريكيين كانوا بانتظار اللحظة المناسبة بعد انتهاء التطبيع حتى لا تكون هنالك رد فعل على الإعلام كما هو اليوم؟

ما يحققه ترامب اليوم لا تراجع عنه غدًا

ليس من الحكمة ان يأمل أحد في غد تحكمه مصالح قوى ليست معنية بالعدالة والتحرر وإنما بتحقيق الاستقرار بالحد الادنى من التنازلات. وكون هذه القوى هي الحاكمة للعالم، فليس ضروريًا اصلا ان يقدموا اي تنازلات. كل ما يحتاجونه هو الوقت.

أما الأردن، فيمكن له اليوم البناء على مواقفه نحو مشروع وطني حقيقي بتحالفات سيادية موزونة مع قوى اقليمية ودولية منافسة لهؤلاء الذين تتجلى اكبر اهتماماتهم في مصالح الكيان الغاصب والحرب المجتزأة على الإرهاب الإسلاموي تحديدًا.

عندها يمكن للإردن بناء نموذج مستدام للدعم المعنوي والهوياتي ليكون قادرًا من خلاله على ردم هوة الهوية الوطنية التي بدأ بردمها منذ احتفالية الكرامة وتعزيز اللحمة الاجتماعية بين «أصول ومنابت» الأردنيين ليلتفوا حوله وحول مشروعه الوطني.

أما المرحلة التالية، فالديموقراطية، وهي ما يخيف الصهاينة والأمريكان فوق كل شيء.

الدولة الديمقراطية يصعب شراؤها ويصعب حفظ ولائها. أي أن أي مشروع يبدأ به الأردن ويحمله مجتمعه باستدامة إلى السلطة سيكون مكلفًا جدًا على الغرب إفساده بالمال، إذا تعاملت الدولة مع تحالفاتها وعلاقاتها الدولية والداخلية بذكاء.

كما وبالإمكان إدخال عناصر اقتصادية بديلة لحفظ الاستقرار الغذائي والاسهلاكي، ويمكن أيضًا الاستعانة بالخبرات الصينية للقفز بإنتاجية قطاعات التعدين والتصنيع. وإذا ما تضررت المنظومة الاقتصادية القائمة، فإن ما في البلد من ذهب ويورانيوم وفوسفات ونحاس ونفط يكفي لدعم الاقتصاد ضد الضغوطات لفترة طويلة.

لن يكون ذلك طبعًا دون ثمن.

الأردن فعلًا في لحظة صراع وجودي مع القوى التي تريد أن تنهيه كما نعرفه اليوم مع تحقيق ما يسمى باتفاقية القرن. إن كافة القوى السياسية في الدولة الأردنية تقف على الحافة من أن يتم الاستغناء عنها تمامًا، إذا ما فشلت جهود بناء السد الذي سيمنع الصهاينة والأمريكان من إتمام ما تبقى من الصفقة. والشعب أصلًا يتعطش لقضية تجمعه. فهو يتحمل ما يتحمل اليوم دون قضية، ما بالك إن كانت هنالك قضية وطنية قونية تجمعه وتقودها الدولة؟

الأردن كله، دولة وشعبًا، يواجه موجة عاتية، فإما يفككها عبر إطلاق موجة تصطدم بها فتستهلكها وترد شرها ويشتري الأردنيون، دولة وشعبًا، كرامتهم سيادتهم، أو تغرقنا الموجة وندخل على مرحلة جديدة من التهديدات والفشل. والأمريكان، كما يقول كسنجر، لا تحكمهم ولاءات ولا صداقات، وإنما مصالح فقط.

هي لحظة الحقيقة

إذا كان الأردن صادقًا في تصديه للمشروع الصهيوني اليميني، فليأتي من بعده الطوفان، وليجرف معه المشروع الصهيوني كله. هذه لحظته.

الأردنيون معظهم جاهزون للدفاع عن الأردن وفلسطين. إن طبيعة المجتمع الأردني تأمنه إلى حد كبير من التفتيت. كل شرق أردني حارب أبوه أو عمه أو جده دفاعًا عن فلسطين. ناهيك عن الأواصر الأسرية الممتدة عبر الضفتين. وكل غرب أردني يرى اليوم كيف يدافع الأردن بكل قدرته السياسية والدبلوماسية عن الضفة الغربية. أما المسيحيون؟ فالجمعية الأرثذوكسية الوطنية على خط الدفاع الأول منذ أعوام عن الهوية العربية الفلسطينية وضد الممارسات اليونانية الحقيرة في فلسطين.

السيكولوجية الأردنية، بعيدًا عن المهاترات التافهة، تحمل بذرًا يمكن لها أن تغذو شجرة وطنية جامعة في ظلها كل فئات المجتمع، نحو قضية مستعدون كلنا للتضحية من أجلها؛ قضية الأردن قبل أن تكون قضية فلسطين، وهي تحتكم لطبيعة الصراع العربي الصهيوني ضد احتلال أرض فلسطين.

في احتفال الكرامة قبل عامين، أتذكرون إقبال الجماهير الأردنية؟ ومؤخرًا، ألم يفتح بنو حسن بيت أجر للشهيد أبو ليلى؟

إن فلسطين ليست قضية بوصلتها أصول أو منابت، رغمًا عن أنف التاريخ وألعابه. فكل ما يقع على الأردن، أو معظمه، يرتبط بشكل أو بآخر بالاحتلال الصهيوني لفلسطين وشروط العلاقات معه ومع الدولة المحتلة.

إن المساعدات التي تصلنا سنوية استباحة لسيادتنا، نستعيض عنها عن عقود من المال العام المهدور والمسروق. لهذه المساعدات أثمان، معظمها على الأقل. ألم يهدد ترامب بقطع المساعدات عن الدول التي لا تستجيب لإعلان القدس؟

هناك الكثير من الطرق الممكن للأردن من خلالها أن ينطلق نحو مشروع وطني تحرري.

ما أعرفه هذا لا ينبع فحسب من تصورات عما يمكن تحقيقه، وأشياء كثيرة ليس بوسعي الإفصاح عنها اليوم، بل ينبع أيضًا من إيماني بالأردن وقدرته على تغيير حاله.

الأردن على كل ضيقه، مستعد للمزيد من أجل وطنه وحريته وكرامته، ويستطيع، فهل من مجيب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد