لا شك في أن العمل التطوعي هو أرقى مرحلة قد يبلغها وعي المجتمع المدني بتحديات الواقع وضرورة التطوع من غير مقابل لخدمة المجتمع وتوطيد نسيجه الضام والحول بينه وبين أي بوادر تمزق أو تفسخ قد تهدد وحدته واستقراره من عدة نواحٍ، يبقى التساؤل المشروع والمنطقي:

هل العمل التطوعي كونه مبادرة شخصية أو جماعية يلزم الذين يقومون به على جعله مواكبًا لكل التغيرات المستمرة للتراكيب المجتمعية المختلفة والذهنيات المتنوعة ويُراهن التطور التكنولوجي الحاصل ويسخره في كل تفاصيله وما هو واقع العمل التطوعي في مجتمع كمجتمعنا الجزائري وهل بإمكاننا القول عنه إنه يرقى لمستوى معين يُخوّلنا وسمه بالعمل  الاحترافي؟

ما هي آفاق العمل التطوعي المنشودة هنا لدى المعنيين به من أفراد المجتمع المدني إلى مؤسساته التي تؤطره؟

هذه جملة من الأسئلة سنحاول الإجابة عنها زاعمين أن قلمنا سيسير بجوار الموضوعية دون تلميع أو تسويد للحقائق التي عايشناها بتجربة شخصية كوننا فاعلين في هذا المجال وعزاؤنا الوحيد تجربتنا الميدانية التي سمحت لنا بالخلوص إلى أجوبة لما طرحناه من أسئلة أعلاه.

مما لا مراء فيه العملُ التطوعي هو نشاط إنساني بامتياز يقوم به الأفراد تطوعًا ومبادرة من تلقاء أنفسهم دون أن تجبرهم ظروف الحياة ومستلزماتها الغنية عن البيان، وهذا النشاط الإنساني يخضع لمعايير تقييم معينة مثله مثل أي نشاط آخر، هذه المعايير تمكننا وتمنحنا القدرة على الجزم باحترافية العمل من عدمه لذلك فالاعتقاد السائد بكون العمل التطوعي عملًا نمطيًا كلاسيكيًا هو اعتقاد خاطئ من أساسه، وعلى كل معتنقي هذا الطرح تغيير نظرتهم إلى المسألة لنساهم في جعل هذا العمل بمثابة تحدٍّ حقيقي بمستويات مختلفة متدرجة نسعى حثيثًا لبلوغ أفضلها وأرقاها وبالتالي ينعكس هذا انعكاسًا ظاهريًا وجوهريًا في تمتين وتوطيد الروابط المجتمعية وجعلها محصنة ضد أي أزمة عارضة تفرضها علينا كمجتمع من هذا العالم تغيرات هذا الأخير المستمرة.

وبإسقاط موضوعي لمفروضية كينونة العمل التطوعي  على واقعنا نجد وبكل أسف نبديه أننا بعيدون عن هذه الغاية المنشودة والسقف المراد بلوغه نظريًا إلا أن الرغبة موجودة لدى عديد جمعيات المجتمع المدني ومؤسساته الخيرية التي تجاهد الصعوبات والعراقيل وتصارع من أجل حتمية البقاء والنشاط، وهنا يكمن البون الشاسع بين طوباوية التنظير وحقيقة التأطير وسيكون لنا مقال آخر نفصل فيه في الصعوبات والعراقيل التي تواجه كل فاعلٍ في هذا الميدان، وكإجابة شافية للسؤال الأول نقول ومن غير تردد العمل التطوعي في الجزائر لم يبلغ بعد درجة الاحترافية كما أنه لا يراعي التغير الاجتماعي الرهيب لدى أفراد المجتمع وعقلياتهم وأسلوب تفكيرهم وهو لا يزال قابعًا في فجّ الكلاسيكية والنمطية فمن يُؤذن في القائمين عليه ليأتوا من ذلك الفج ويعملوا على تطويره وتحيينه!

من النافل القول إن الحديث عن آفاق العمل التطوعي بالجزائر سابق لأوانه ما دام الواقع لا يرضي التطلعات ولا يواكب واقع مجتمعات غربية صار لديها هذا النوع من العمل ركيزة مجتمعية قوية وصلبة تحصنها من الأزمات المختلفة التي تمر بها وتحفظ لها حقيبة الهوية الخاصة وتعمل على تمريرها إلى ثقافات أخرى باحترافية فائقة لتحتك بها احتكاكَ استفادة وتطوير كما يضمن العمل التطوعي لدول هذه المجتمعات أريحية من الناحية الاقتصادية باستحداث آليات وطرق ناجعة لتسير النفقات المختلفة التي تخصصها الدولة لفئات معينة من المجتمع المدني فتصير بذلك المؤسسات القائمة والمعنية بالعمل التطوعي شريكًا حقيقيًا لمؤسسات الدولة لغاية سامية وراقية وهي الحفاظ على المجتمع ثم السهر على رفاهيته وتقدمه على جميع المستويات.

هذه الحبكة الذكية التي اهتدت إليها المجتمعات الغربية بإشراك مؤسسات المجتمع المدني في تسيير الدولة من الآفاق التي نتطلع إليها في مجتمعنا ولا بد من تضافر الجهود وتوحد الأهداف وتماهي الآراء في قالب واحد لغاية واحدة ألا وهي مجتمع يسير نفسه بنفسه.

باقتضاب واختصار شديد كانت هذه رؤيتنا لواقع العمل التطوعي والآفاق التي نتطلع إليها وإصرارنا الكبير على الانتقال من الرتابة الكلاسيكية النمطية إلى المرونة الاحترافية ولا يتحقق كل هذا إلا بوعي مجتمعي عميق ودعم حقيقي من الدولة القائمة لنستشعر أهمية وضرورة العمل التطوعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد