إن ما يسمى بالتعارض في القرآن الكريم ليس من نتائج إجتهادات الطاعنين في القرآن ، وإنما هو علم استنبطه المسلمون أنفسهم وعلموه لقليلي الخبرة في للقرآن !

إن علماء المسلمين هم من استخرجوا هذه النصوص، التي توهم معارضتها لبعضها البعض، وبيّنوا لعامة الناس أمرها، وهذا هو دور علماء الإسلام في مجال التصحيح للأفهام الخاطئة، ومن هذه النصوص الآتي:

الجزء الأول:

  1. قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}، {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ}.

يدّعي صديقي الباحث عن الحق أن هذه الآيات وغيرها تتعارض مع قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}، {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى}.

والجواب عنه: إن {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، أي: تركوا طاعة الله، وأعرضوا عن اتباع أمره، فتركهم الله من توفيقه، وهدايته، ورحمته. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}، وليس المراد منه معناه المعهود بين الناس من قصور العلم والذاكرة، والآية نافية له في حق الله سبحانه.وهذا من أسلوب المشاكلة والمقابلة والمجاراة، وهو أسلوب معهود في كلام العرب، بحيث يذكرون الشيء بلفظ غيره؛ لـــوقوعه في صحبته. فـــهو من قبيل إطلاق الملزوم وهو النسيان، وإرادة اللازم وهو الترك؛ ومن هذا ما جاء في قول عمرو ابن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا .. فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فسمى جزاء الجهل جهلًا، مصاحبة للكلام، ومشاكلة له.

  1. قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَمَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ}، {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}.

هذه النصوص تتعارض مع قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ}، {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}.

والجواب: إن السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع وأداته غالبًا: لم، وسؤال استخبار واستعلام وأداته غالبًا: هل.

فالمثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع، والمنفي هو سؤال الاستخبار والاستعلام، وسؤال الله للرسل: {مَاذَا أَجَبْتُمُ}، لـتوبيخ الذين كذبوهم.

  1. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}، يتعارض مع قوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا}.

والجواب: إن معنى قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي: بطاعة الله وتصديق الرسل {فَفَسَقُوا} أي: بتكذيب الرسل، ومعصية الله تعالى.

  1. قال تعالى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَان مُبِين}، يتعارض مع قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ}.

والجواب: لــقد شبهها بالثعبان في عظم خلقتها، وبالجان في اهتزازها وخفتها، وسرعة حركتها، فهي جامعة بين العظمة، وخفة الحركة على خلاف العادة؛ وهذا من مظاهرة الإعجاز المتنوعة الخارقة للعادة.

  1. قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}، يتعارض مع قوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِم}.

والجواب: إن الأصل هو أن المرء محاسب عن عمله، لكن من كان عمله سببًا في إضلال غيره، فهذا عمله أيضًا؛ لأنه هو المتسبب فيه. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».

وفي رواية أخرى: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا، ومَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا».

  1. قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ}.

يتعارض مع قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}.

والجواب: إن عدم الإكراه مبدأ أصيل في القرآن أكد الله تعالى عليه كثيرًا، ومنه قوله تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}.

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}.

{وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}.

أما الآيات التي يظن أنها تتعارض مع عدم الإكراه، فهي للمعتدين على المسلمين، وسياق الآيات يدل على ذلك: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.

والآية الأخرى: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}.

  1. قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}، يتعارض مع قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}.

والجواب: إن أهل الكتاب بيَّنَهم الله في كتابه، وهم اليهود والنَّصارى، سُمُّوا أهلَ الكتاب؛ لأنَّ الله أنزل كتابَيْن على بني إسرائيل؛ الأول على موسى، وهو التوراة، والثاني على عيسى، وهو الإنجيل، فهم أهل كتاب، لكنَّهم حرّفوا كتُبَهم، وكفَروا بِرَبِّهم.

ولكن الله أجاز لعباده ذبائح أهل الكتاب، وحل نسائهم الحرائر العفيفات، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، فهذا حكم عام بعدم حل الزواج منهم، ثم خصص طائفة منهم بحكم خاص.

الجزء الثاني:

  1. قوله تعالى: {قُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، يتعارض مع قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.

والجواب: إن الله -عز وجل- من نعمه على الإنسان أن جعله مخيرًا فيما يترتب عليه من ثواب وعقاب، وهي الأعمال التي كلف الله بها عباده؛ ولأن الإنسان حر مختار في هذا الجانب، الذي يشمل الحياة كان لا بد من وجود الشر، فالحرية التي يتمتع بها الإنسان تجعله يفعل الأشياء؛ فإن كانت صائبة صحيحة ترتب عليها الخير، وإن كانت خاطئة ترتب عليها الشر.

فالشر نتاج للحرية كما أنه نسبي، وليس مطلقًا وموظفًا دائمًا للخير، فاللهُ -عز وجل- لم يأمر الشر بل نهى عنه، وأمر بالخير، والشر لازم لوجود التكليف، وإلا فما فائدته إذا كانت الحياة كلها خيرًا؟

ولمعرفة الخير أيضًا يلزم وجود الشر. يقول الطاهر ابن عاشور: في هذه الآية وصف الله تعالى برب العالمين، وهو مفيد التعليل لارتباط مشيئة من شاء الاستقامة من العالمين لمشيئة الله؛ ذلك لأنه رب العالمين فهو الخالق فيهم دواعي المشيئة، وأسباب حصولها المتسلسلة وهو الذي أرشدهم للاستقامة على الحق، وبهذا الوصف ظهر مزيد الاتصال بين مشيئة الناس الاستقامة بالقرآن، وبين كون القرآن ذكرًا للعالمين.

ويقول البغوي: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}؛ أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وفيه إعلام أن أحدًالا يعمل خيرًا إلا بتوفيق الله، ولا شرًا إلا بخذلانه، أي: تركه لنفسه وعدم توفيقه.

وهنا ندخل في التوفيق والخذلان؛ فالتوفيق معونة لمن أقبل على الحق وأراده، والخذلان يكون للجاحدين للحق المنكرين له، فمن أناب إلى الحق وطلبه فإن الله {يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}، ومن زاغوا {أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.

  1. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}، يتعارض مع قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}.

والجواب: إن المُتَوَفِّي الحقيقي هو الله -عز وجل-، والملائكة {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، والملائكة تَتوفَّى بأمر الله وإرادته، ففي كلتا الحالتين الله هو المُتَوَفِّي الحقيقي.

  1. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، يتعارض مع قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}.

والجواب: إن الشفاعة المنفية للكفار والمشركين، والشفاعة المثبتة -بإذن الله- لعصاة المؤمنين، فالمؤمن ليس معصومًا، وقد يقترف الذنوب، والذنوب ثلاثة: الكبائر، والصغائر، واللمم.

والله قال: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا}.

فمن وقع في الصغائر من المؤمنين غير مصرٍّ عليها له الشفاعة بإذن الله يوم القيامة، وإن تاب؛ تاب الله عليه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».

11.قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، يتعارض مع قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

والجواب: إن الهداية نوعان:

  1. هداية توفيق، وهي للمؤمنين من الله.
  2. هداية بيان وإرشاد، وهي لجميع الناس من الرسول.

والمنفية هي التوفيق، والمثبتة هي البيان والإرشاد.

  1. قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}، يتعارض مع قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}.

والجواب: كل من عند الله تقديرًا، وما أصابك من سيئة فمن نفسك اكتسابًا، يقول الطاهر ابن عاشور: «ولما أمر الله رسوله أن يجيبهم قال: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}؛ مشاكلة لقولهم، وإعرابًا عن التقدير الأزلي عند الله، وأما قوله:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}فلم يؤت فيه بكلمة: «عند»،إيماء إلى أن ابتداء مجيء الحسنة من الله، ومجيء السيئة من نفس المخاطب ابتداء المتسبب لسبب الفعل، وليس ابتداء المؤثر في الأثر.

  1. قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ}، يتعارض مع قوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}.

والجواب: وردت كلمة «الضلال» بأكثر من معنى في القرآن الكريم:

  1. بمعنى النسيان، نحو قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}.
  2. بمعنى الغفلة، نحو قوله سبحانه على لسان سيدنا موسى -عليه السلام- لفرعون: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}.
  3. بمعنى المحبة، نحو قوله -عز وجل- على لسان أولاد سيدنا يعقوب: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، أي في حب مبين ليوسف، وهو المشار إليه في قوله تعالى على لسانهم أيضًا: {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ}.

ويكون المعنى على الوجه الثالث: ووجدك محبًا للهداية فهداك إليها.

ويشهد لصحة هذا الوجه والتأويل ما يلي:

أ‌. ما صح من سيرة رسول الله قبل النبوة، وتحنثه في غار حراء طلبًا للهداية، حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بالوحي.

ب.إن من أسماء المحبة عند العرب «الضلال»، قال الشاعر:

هذا الضلال أشاب مني المفرقا .. والعارضين ولم اكن متحققا

عجبا لعزة في اختيار قطيعتي .. بعد الضلال فحبلها قد اخلفا

إنك يا صديقي إذا نظرت إلى هذه التناقضات المزعومة، تجد أنها مجتزئة من سياقها، أو أنها مفسرة على خلاف موضعها في اللغة العربية التي هي لغة القرآن.

وقد أجاب العلماء عن هذا، وبينوا المُشكل للناس بشكل مستفيض ليزول اللبس والإشكال، وقد سمى العلماء هذا الفن، بما يوهم ظاهره الاختلاف والتناقض، أو مشكل القرآن. فلترجع له يا صديقي الباحث عن الحق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد