ثمة شعور دائم بأن «الوقت ليس في صالحنا»، ثمة وعي مفاجئ ومفزع بأن بعض الأخطاء لا يمكن إصلاحها، ليس لأنك لا تستطيع، ولا لأنك لا تريد، بل لأنه – فقط – فات الوقت ولم يعد ممكنًا أن تصلحها، بل لم يعد معنى لذلك.

في فيلم «atonement» ترمي «بريوني» «روبي» بتهمة شنيعة يُسجن بسببها وتضيع أحلامه الدراسية إلى الأبد وُتدمر حياته وحياة حبيبته «سيسيليا» «أخت بريوني»، وحين تدرك «بريوني» عمق خطيئتها وتحاول أن تكفر عنها ينتهي كل شيء فجأة؛ إذ يُقتل كل من «روبي» و«سيسيليا» في أحداث الحرب العالمية الثانية.

يبدو أن الابتلاء بالحياة يكمن أساسًا في أنها محكومة بالفناء أي محكومة -على الحقيقة- بالوقت، فما تعاقب الليل والنهار وشروق الشمس ثم غروبها إلا تأكيد لهذه الحقيقة: الوقت يمر، والعمر «عمرك وعمر كل شيء» يوشك على الانتهاء، وما مضى من أيام لن يعود.

لكن «بريوني» لم تستسلم لتلك الحقيقة، لقد اتخذت من الخيال «الذي لا يحده شيء» وسيلة للتحرر من قيود الخطيئة التي فات وقت التكفير عنها فعمدت إلى كتابة رواية اعترفت فيها بخطيئتها وغيرت نهاية قصتها الواقعية لتمنح «روبي» و«سيسيليا» وقتًا إضافيًا يستمتعان فيه بحياة تجمعهما سويًا -بلا خزي ولا عار- قد حلما بها ولم يدركاها.

إذن فحياتنا محكومة حقًا بالوقت، لكننا نحمل ضمن إمكانيات وجودنا – إذا جاز التعبير- القدرة على التهوين من وطأة الوقت، ليس بتجاهله والتفنن في تحويله إلى فراغ، وليس بالمراقبة الصارمة لكل لحظة في حياتنا والانهماك في عد أنفاسنا والمحاولات المستميتة لملء كل دقيقة وكل ساعة وكل يوم وكل عام بالإنجازات كأننا في سباق نركض فيه لاهثين لا يعنينا شيئًا سوى أن نكون أبطالاً في أقصر وقت ممكن.

إنما يمكننا النفاذ بطريقة ما أكثر مرونة وشفافية إلى زمن أوسع، عالم أرحب لا يضيق بكثرة التفاصيل ولا يمل من التكرار، عالم لا يخضع لتوقيتنا أصلاً، عالم بلا حدود من الزمان ولا المكان، عالم كالحلم، كالخيال، كعالم الغيب.

من هنا نحاول أن نفهم من جديد ما يعنيه النوم من راحة، فهو ينقلنا في غمضة عين «حرفيًّا هذه المرة» إلى عالم بلا ساعات وبلا التزامات، ومن هنا أيضا يمكن فهم ما تعنيه الصلاة من كتاب موقوت؛ حددت بأوقات مخصوصة، ليس فقط لتدرك كيف أن حياتك نفسها موقوتة، ولكن كذلك لتخرج من ضيق هذا الوقت الأرضي ووطأته وتتخفف من ثقله لعالم آخر وزمان آخر ليست أيامه كأيامنا ولا ساعاته حتمًا كساعاتنا، نعي فيه بكل وجداننا سعة الزمان وامتداده منذ الأزل وحتى الأبد متحررين من ذواتنا الفانية الموقوتة ومتشوقين ليوم نحظى فيه بخلود النعيم أو لعله نعيم الخلود.

إن سلوك «بريوني» رغم ما يمكن أن يبدو من قلة جدواه إلا أنه مثَّل لي مقاومة مشروعة كي لا ننسحق تحت وطأة الزمن، ورغم أنني طالما قرأت وسمعت تفسيرات لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل»، ورغم أنها هذه التفسيرات شددت على قيم التعمير والتنمية والعمل والإيجابية إلا أنها لم تُرضني تمامًا، والآن أجدني مدفوعة بفهمها على هذا النحو؛ فالإنسان حين يؤمن بالله ويعمل صالحًا هو في الحقيقة لا يعمر الدنيا بل الآخرة، وهو في ذلك ليس مرهونًا بنتائج أرضية أو توقيت دنيوي، لذلك فحتى إذا قامت القيامة وأوشكت حياتنا هنا على الانتهاء توجب علينا غرس هذه الفسيلة لأن ثمرتها -كباقي الثمرات- لن تكون على الحقيقة إلا في زمان آخر، وطالما أنك ما زلت تملك ولو لحظة فيمكنك أن تغير وتتغير، تتوب وتتطهر وتتزود من كل خير وتقوى.

أما حين نصبح خارج زمان الأرض فقد انتهت كل الأعمال والمحاولات والفرص والقدرة على التغيير وحان وقت الحساب ومن ثم الخلود «فريق في الجنة وفريق في السعير».

حسنًا كانت هذه مجرد خواطر مبعثرة تحاول أن تفهم علاقتنا بالزمن، وتحاول أن تتصالح معه بشكل ما يحمينا من الضياع والبؤس بعيدًا عنه أو الانسحاق تحته والتماهي التام معه، خواطر تكتفي حتى هذه اللحظة بإدراك بديهة بسيطة ربما تساعد شخصًا ما يحتاجها:

ثمة متسع لمزيد من الوقت يمكننا النفاذ إليه كل حين فقط لو أردنا، ويمكننا التنعم بخلوده إلى الأبد فقط لو جاهدنا.

ثمة متسع لمزيد من الوقت كان هناك قبل حياتنا الأولى وسيكون هناك في حياتنا الآخرة، ثمة زمن واسع متصل أبدي لا نحسب فيه الساعات ونعد الأيام ولا يقلقنا مضي الوقت ولا يمكن أن يفوتنا شيء!

«وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».

* عنوان المقال مقتبس من عنوان رواية شهيرة لـ«مارسيل بروست».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد