علاقة  اللغة بالواقع لم تكُ يومًا ذات طبيعة اعتسافية، خصوصًا في اللغة العربية التي تُعتبر أنها تنطوي على نوع من «العقلانية الداخلية» تجعلها تؤطر الشيء في الحقل الدلالي الخاص به في تراتبية هندسية متكاملة، تعتمد على الفصل الحازم بين المعاني. غير أن بعض الكلمات باتت لا تكاد تعني شيئًا لكثرة استعمالها في كل ما نعاينه كمصطلح «الظاهرة» مثلًا. فالفقر والإرهاب اجتمعا، على سعة معنييهما، وجرى تنميطهما بالتداول الإعلامي لهما عبر كلمة «ظاهرة» متناسين أن الفقر خطيئة النظم السياسية بالأساس، ولا يمكن إحالته، على الأقل من حيث منطلقاته، على المجتمع، فيما أن الإرهاب خلل في النظم التربوية الدينية، وفشلها في إرساء القيم الكونية في روْع الطفل في مرحلة ولادته إلى بلوغ سنواته السبع.

وإذا انحصرت كلمات كادت لا تعني شيئًا في نزر يسير، فإن كلمات أخرى انقلبت مهمتها الوظيفية رأسًا على عقب، وأضحت لا تعني إلا عكسها. فتمثل كلمة «مسؤول» عند الشعوب العربية أذهلني ويمعن في إذهالي كل يوم، إذ إن الشخص الذي من المفترض «سؤاله» عن كل كبيرة وصغيرة في تدبير الشأن العام لا يُسأل. هل لنا أن نسأل لماذا سُمّي مسؤولًا على الأقل إن لم يكُ يُسأل؟ أليس هناك «سائلون» يعيشون بيننا يسألون هذا المسؤول؟ إن لم يكن، أليس من الطبيعي أن نكف عن تداول هذه الكلمة ونعوضها بـ«الرئيس» على جميع الأصعدة؟ أليس هذا المصطلح أجدر من أن نغالط ذواتنا ونعيش في التباس دائم، وانفصام بين واقع ولغة؟

يتحدثون لنا عن أزمة التفاعل بين المواطن اللامنتمي والأحزاب السياسية، أليس من الأولى أن يتحدثوا لنا عن أزمة «السؤال»، وأن الإنسان بدونه أشبه بآلة تحكي أمجادًا غابرة، ونفس تحيا عبر اللغة أزمنة لم تأتِ؟ هل التربة الفكرية في الشركات والمؤسسات لا تسمح بغرس بذور سؤال محتمل النمو ليصبح فيما بعد في حجم مساءلة؟ هل الشعوب العربية تنتظر نمو «السؤال» 42 سنةً إلى أن يصير وحشًا ذا مليون رأس كما حصل مع ليبيا القذافي، وانطلاق الثورة العمياء؟ أهو الخوف أو الطمع أم كلاهما؟ من المسؤول عن انقلاب الوظيفة اللغوية لكلمة «المسؤول»؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد