لا أدري كم عدد الساعات التي قدمتها شبكة الجزيرة عن الربيع العربي سواء منذ انطلاقه أو منذ انقلاب الثورة المضادة عليه. أظن أن القول عشوائيًا بأن الرقم بالآلاف لن يخالف الواقع بحال. أفسح خلال هذه الساعات – وباكتساح – المجال لعدد لا حصر له من المناضلين الصامدين. بعضهم صموده أسطوري.

أحد برامج الجزيرة مباشر مصر (أحياء في الذاكرة) كان يقدم حالات ملحمية في صمودها أمام فقد الأخ، أو الابن، أو الزوج والعائل.
في سبع سنين كانت الجزيرة وما اقتفى أثرها من قنوات توثق قصص صمود مؤلمة لربيع يأبى إلا أن يولد ولادة متعسرة مخضبة بدماء شهيد سفكت، أو حرة اغتصبت.

(في سبع سنين) كان الذين لم يفقدوا الأمل في نسمات ربيع يلطف لظى فورة الطغيان الذي يقاتل بضراوة معركة مصيره، كانوا يتغافلون عن جرح قاتل أنفذه خنجر الثورة المضادة المسموم في رحم معسكر التغيير. جرح سمه اليأس، سمه الضياع، سمه الإخفاق في احتمال الهزيمة، سمه ما شئت، لكنه جرح أصاب قطاعًا تبين للمنصفين أنه ليس قليلًا في عدده ، ولا هزيلًا في وزنه. فأغلب المنكوبين به كانوا خيارًا من ظهور خيار. فإذا بعضهم يهوي في بئر العدمية أو الإلحاد أو العنف. بحسب المقربين من أسر نشأت قرة أعينهم على الالتزام والفضيلة. وإن كان التغافل عن السفاسف فضيلة، فإن التجاهل للظواهر يحيل التغافل إلى تستر، فتواطؤ.

في سبع سنين كانت جلسات أنصار ما سمي بمعسكر الشرعية، تتداول هذه الظاهرة المتنامية كورم خبيث بأسى يعقبة مصمصة شفاه، ثم انفضاض سلبي تاركين أبناءها لمصيرهم المجهول.

في سبع سنين كان الكل يعرف والكل يصمت كصمت شخصيات رواية (سرد أحداث موت معلن) لماركيز، حين آثرت قرية كاملة الصمت عن جريمة رد شرف كانوا متيقنين أنها ستحدث، رغم أن الرواية تقودنا في النهاية إلى أن القتيل تبين أنه بريء، لكن القرية كانت أحرص على طهر زائف من مواجهة واقع يذكرهم يوميًا بخطيئة تحيا بينهم دون ثأر.

وفي ربيعنا العربي وبعد سبع سنين جاء صناع الفيلم ليقولوا لنا إنهم كرهوا الصمت إلى حد تقيؤه. كرهوا التواطؤ بالسكوت عن ظاهرة لا ينكرها أحد مثلما أنه لا يتحرك لعلاجها أحد. وحين ألقى فريق سبع سنين بحجره في بركة الصمت الآسن تحرك الصامتون والمتغافلون والمثاليون ليوجهوا نيرانهم إلى جهاز الأشعة الكاشف للمرض عوضًا عن البحث عن علاج للمرض. ما أسهل التجريم الذي بلغ بالبعض إلى حد التخوين، بل التكفير، فهي مسكنات تسوغ لمتعاطيها الخلود في مضاجعهم بضمائر مخدرة. ما أيسر اتهام صناع الفيلم وشخصياته المشوهة التي لم أفهم لمن يمكن أن تكون قدوة، وهي إما شخصيات محطمة، أو تائهة، أو عاتبة. ما أيسر أن يدير سياسيون ومثقفون ومتدينون ظهورهم لهم ويلعنوهم هم ومن صنع الفيلم وحامله وشاربه كما شبه أحد الأفاضل، وكأن الإعلام المثالي هو الذي يقدم المثاليين، والمثاليين فقط. إنها النظرة القاصرة للإعلام. نظرة تراه وسيلة تعبئة وشحن للمبادئ التي يراها أصحابها نبيلة. أولئك لا يختلفون عن المستبدين في تعاملهم مع الإعلام، إلا من حيث عدم قدرتهم على السيطرة عليه لممارسة استبدادهم الخاص بعرض وجهة نظر واحدة.

أبطال سبع سنين في مجملهم محطمون فاشلون محبطون، لكنهم حقيقيون. وهؤلاء لا يمثلون قدوة لأحد، لكنهم سيمثلون فرصة للتماهي معهم من قبل شباب يعاني مثل معاناتهم، لكن أبطال الفيلم، ومن سيتماهى معهم جميعهم يبحثون عن قدوة تضمد جراحهم، وتعيد معهم بناء عالم صحي إيجابي بديل لذلك العالم الذي انهار أمام أعينهم بفعل قدوات عفنة أسقطت مثلهم العليا وهي تسقط في وحل إرضاء السلطة رغبًا أو رهبًا، أو تسقط في المقابل في رذيلة الإتجار بالثورة، وهي رذيلة لا يقصد بها هنا فصائل بعينها، وإنما هي رذيلة عابرة للفصائل عابرة للثورات عابرة للعصور.

كان الأولى بكثير ممن هاجموا (في سبع سنين) أن يهاجموا أنفسهم لإخفاقهم في إدراك أهمية بناء منظومات استيعاب نفسي وقيمي لأولئك الناجين بدنيًا فقط من مجازر الثورة المضادة.

(في سبع سنين) جرس إنذار صادم.. حين كان محمد عقل يخبط رأسه في الجدار في النهاية، فإنما كان يرجع صرخة له هو ورشيدي مخرج الفيلم موجهة بالأساس لأولئك الذين انتقدوهم من باب الحرص لاحقًا. صرخة تقول: إن هاهنا مصيبة. النار تنهش زرعكم، هبوا لنجدة حلمكم. إن فقدتم أوطانكم، فلا تخسروا أولادكم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد