ببزوغ شهر يوليو، تبتسم أشعة الشمس، وتخرج من جوفها سهام حارقة، لتنشر حرها من عليائها على اليابسة، فينحني الإنسان لدفئها، لترنو  نفسه باستقبال موسمها الجديد، فيخلع ثوبًا ثقيلًا ليخلفه آخر خفيف كخفة ظلال الأشجار الوارفة، وبرودة المثلجات الملونة على الصدور الملتهبة، فتنهمك نفسه ويحار فكره  لقبض حظه من قبس نسمات العطلة الصيفية.

تنتهي أيام الامتحانات، فيسعد من يسعد، وتخيب آمال آخرين في انتظار أفق غد مشرق، فيحزم الشباب رحالهم للشواطئ والمنتزهات الجبلية، لعلهم يذيبون جليد سنة من الكدح والكد، وتتهافت القوى العاملة على عطلهم السنوية، ليضمنوا شهر راحة من تبعات أسابيع عدة من العمل المتواصل، لكنهم لن يكونوا أكثر حظا من شريحة العاطلين عن العمل وما أكثرهم، الذين يرزحون في راحة دائمة من دون مقابل ولا عائد مادي يحافظ على إنسانيتهم.

إلى وقت قريب، لم يكن إرهاص العطلة الصيفية مطروحا بإلحاح، كما هو اليوم، فالعولمة فعلت فعلتها، وثقافة حقوق الإنسان نشرت أفكارها، فانتقلت حزمة الحقوق من السياسية إلى الاقتصادية والاجتماعية إلى البيئية، ولا نعلم حدودها في المستقبل، فكان للإنسان حق ونصيب في أخذ قسط من الراحة والاستجمام والسفر والسير في الأرض ليروا آيات الله الواسعة.

بلمحة تاريخية، تخبرنا أن مفهوم العطلة والاصطياف لصيق أكثر فأكثر بالحضارة والتحضر، فكانت الطبقات البورجوازية فيما مضى، تهتدي إلى ترك مقرات سكناها الرئيسية والسفر خارج مدنها إلى مساكن أخرى ثانوية، ينعمون فيها بالهدوء ومعانقة الطبيعة.

غير أن الأمر فيما بعد سيأخذ وجهة أخرى، في بداية القرن العشرين، مع اتساع رقعة المعامل والمصانع وازدياد عدد العمال والعاملين، فارتفعت وتيرة العمل والإنتاج، فتناسلت أولى القوانين التي تمنح حق الاستفادة من يوم واحد في الأسبوع، وكذا أسبوعين في السنة مدفوعة الأجر، حتى تمنح للعامل فرصة لإراحة الجسد والعقل، والسفر لاكتشاف الطبيعة والأماكن، بغية زرع حس التربية على المواطنة.

أجدادنا صيفهم قضوه تحت لهيب الشمس الحارقة، وفي أيديهم المناجل ترقص مع حبات القمح والذرة، وآباؤنا كانوا ينحبسون في مدنهم وداخل منازلهم، فكانت أحراش البادية ملجأهم الوحيد، ليرسلوا أطفالهم إلى بطونها، ليحملوا القرب الجلدية المملوءة من ماء البئر، ويركبوا الدواب، ويسبحوا على ماء السواقي والترع، ويرعوا غنم الأعمام، وتتغزل أناملهم على ورود الأقحوان.

لم تكن الأسواق الأسبوعية موطنا للبيع والشراء وقضاء الحاجيات فقط، بل كانت ملاذًا وفسحة لكثير من الناس، لكسر ملل الوجوه وصمت الأمكنة، وتبادل أخبار خلق الله، فيما المواسم السنوية للاجتماع على ساحة حوافر الخيول الفلكلورية، للتسابق والتباهي بين القبائل فيما بينهم، بينما فرجة الحلقة تهدي للمتحلقين حولها هوامش من الضحك والتسلية، في حين خيام ومنصات تستقبل فرقا شعبية على اختلاف ألوانها لترسم جوا من المرح.

ستمضي السنون، وتتسارع وثيرة الحياة، ويفرض تقدم الآلة نفسه، لتجري المحركات على هدير سرعة الصوت والضوء، فتتقلص المسافات، فيسهل على الإنسان التنقل وبلوغ ملكوت الأرض والسماء.

تأخذنا مشاهد اصطفاف السيارات على طوابير الطرق السيارة في انتظار عبورها صوب الوجهات السياحية المشهورة، لتعبر عن بداية رسوخ ثقافة الاصطياف في مجتمعاتنا، وتكريسها كمحطة مهمة وملحة في كل سنة بالنسبة للعديد من الناس، باعتبارها حقًا مكفولًا لتحقيق المتعة، فغدت موضة للعصر، ورمزًا للتباهي الاجتماعي، في وقت فاضت الصورة، وغمرت رقمنتها كل الجيوب والآفاق، وصار التقاط صور الشخوص والأمكنة وإشهارها للعموم على خطى تطبيقات السيلفي وإنستغرام شيئا مألوفا ومرغوبا.

حظ الاصطياف ما زالت روح الطبقية تلامس نواته، فميسوري الحال وعلية القوم، يطيرون إلى الخارج لقضاء عطلهم بالمدن السياحية العالمية، كضيوف على فنادقها ومطاعمها ومحلاتها التجارية المصنفة، بينما بقية الناس العاديين تسمح لهم فقط ميزانيتهم بالمكوث داخل الوطن.

على الرغم من بداية انتشار موجة ثقافة الاصطياف في مجتمعنا رويدا رويدا، ما زالت لم تواكبها محليا البنيات التحتية للترفيه والتثقيف، فالمنتزهات والمحميات الوطنية، ودور الملاهي والمسابح المخصصة للأطفال، وكذا المتاحف والمعارض الثقافية، ما زالت نسبة تواجدها جد ضعيفة، وإن وجدت على قلتها، فإنها غير متاحة لشريحة كبيرة من المواطنين، نظرا لغلاء أسعارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاصطياف
عرض التعليقات
تحميل المزيد