كان من المعروف قديمًا أن الطغاة إنما يصلون إلى السلطة بدعم من بسطاء الناس والفقراء، وأن فرصتهم الكبرى بالاحتفاظ بهذه السلطة تكمن من الأساس في رغبة الناس بالمساواة في الظروف، لهذا نرى هذه الصورة العفوية في الدول العربية أنه ليس من حكومة، أو دولة، أو نظام حكم سيكون من القوة بما يكفي للبقاء بعد هزيمة في حرب.

إن حروب وثورات الربيع العربي حددت ملامح القرن الحادي والعشرين، فكما أن الأحداث داخله لم تفعل شيئًا سوى الإسراع بتحقيق أهداف الاستبداد أكثر منه أهداف الثورة.

فلم يعد الغرض الأكثر من أي ثورة مرتبطًا بفكرة الحرية، إلا في حالات نادرة، غابت عنها تلك القضية الأقدم، ألا وهي قضية الحرية إزاء الاستبداد، والتي شكلت وجود السياسة منذ بدء تاريخنا.

فحتى الثوريين الذي يفترض فيهم التمسك بمفهوم الحرية، صاروا يتنازلون عنها بمرتبة لتصبح حكمًا مسبقًا من أحكام الطبقة الوسطى لا غير، بدلًا عن الإصرار عليها كمطلب وهدف للثورات.

لذلك أصبح استخدام العنف من طرف الاستبداد يبدو لهم أنه لا يحتاج إلى تبرير إلا في نطاق السياسات الدولية، فالواقع أنه بمقدار مانمارس مناقشة حروب المنطقة في هذه الأيام بتلك المفردات (الحرية، الاستبداد، الطغيان) مع تحفظ ثوري على تفسيراتها، فإننا نرى داخل كل دولة قامت فيها هذه الثورة أو تلك بقاء للطغيان بأشكال شتى.

فمفارقة أن أحلام الثورة ممكنة عن طريق حرب باردة، محل حروب ساخنة أصبح أمرًا قابلًا للتصور في أفق معللة السياسة الدولية داخل هذه الثورات.

فكان التوسع والدفاع عن المصالح المكتسبة للثورة يخضع للواقع على أنه قد لا تكون الخسائر عظيمة بالقدر الذي يتوقعه البعض، لهذا نرى بصورة تكاد تكون عفوية أن ليس من حكومة أو دولة أو نظام مستبد سيكون بالقوة بما يكفي للبقاء بعد هزيمة في حرب، إلا من الذين تسلقو الثورة دفاعًا عن مصالحهم المكتسبة وحفاظًا على ظهورهم لتوازن قوى معين بعيدًا عن اعترافهم بأن الثورة هي كل الحقائق المعروفة في سياسة القوة وضرورة إلى حين قيام نظام جديد.

لقد قامت إذًا كل هذه المظاهرات والثورات والاضطرابات قبل أن تنجح ثورات كبرى في التاريخ، غير أن هذه الأعباء التي خلفها لنا التاريخ داخل حيز مفكري الأمة العربية الذين انتهزو الثورات وتسلقوا سلم الشهرة فيها غير القادرين للتحدث والكتابة للعالم عما أورثوه من عبودية للمال على حساب فكرة الثورة كمفهوم وهدف، وأن العبودية ليست بالشيء السيئ، وأن الحرية لن تختفي من الأرض إلى الأبد، فهي أيضًا ليست من المطالب العادلة لقيام الثورات أحيانًا كثيرة.

والواقع إذا ما القينا النظر على الربيع العربي ببداياته وإلى يومنا هذا، فإن الاعتراف الوحيد ليس بالثائرين أو المحاربين الذين خاضوا معارك شعارات الحرية والكرامة والعيش المشترك، بل بنوع آخر داخل هذه الأمة وهي النخبة التي لم تكن تملك الصوت المقرر له ولا صاحبة الفعل الحاسم فيه؛ مما أعطى للكيانات السياسة داخل كل دولة ذلك الحق الذي يجب ألا يعطى.

من حيث تسلقوا الثورة كانت حياة النخبة المثقفة والواعية تسحب باتجاه لعبة التبادل بين شخصياتها والنظم السياسية الحاكمة في الدول، لهذا كان تأثيرها على القيادة السياسية ضعيفًا، سحبت فيه عقولها لتكون شاهدا لانهيار أفكار الثورة؛ ما سمح أكثر لمالكي السلطة في هذه البلدان بالتعسف الشديد في حكمهم، فأرقام الموتى والاعتقالات على شاشة التلفاز هي شاهد أيضًا لم ير شيئًا من منظري الثورات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد