المدخل:

وفي المتحف قاعات مفتوحة، خُطت عناوينها برسم فارسي عتيق!

القاعة الأولى:

في أول وهلة تظن أن الرواية ستكون مساحة للتعرف على ابن سينا وبعضًا من أطروحاته أو ربما عن حياته ومسيرته، ولكنك تتجاوز جل أوراق الرواية وتجد نفسك أمام كنز يجذبك شعاعه المعرفي ويخطفك بريقه في محاولة للتعرف عليه وليس كما توقعت!

أسلوب قصصي جذاب وآثر وأخاذ ومختلف عن السائد، لا يجذبك فيه ذروة الأحداث المتصاعدة بالدرجة الأولى، بل شغفك وتعطشك في معرفة المزيد عن رونق المدن – التي زارها أبو علي “ابن سينا” – من جانب وعن الشخوص حول أبي علي والأجواء التاريخية المحيطة به من جانب آخر والأسئلة الكبرى المفتوحة، والأجمل متابعة تلك المقاطع الحوارية بين شخوص الرواية الذين كانوا يحيطون بابن سينا، وإن كانت تلك الشخصيات ربما من نسج خيال الكاتب، ولكنها عبرها كنا نحاول فهم طباع وقصة أبي علي بل قصة الحضارة والإنسان.

القاعة الثانية:

الزمن وضمير المتكلمين هما محركا الرواية، فالقارئ تتوحد روحه مرة في نفس الراوي، ومرة في جارية مجوسية في قاع التاريخ، ومرة في أطوار حياة ابن سينا، ورحلة القصة تستمر رحلة اكتشاف المدن.

 

مرة يحكي لنا الكاتب قصة شاب مصري معاصر يتكلم العربية ويلتقي بآنسة تركية في مدينة أصفهان الفارسية ويتجادلان في قضايا تخص تاريخ المكان، يأخذ الجدال طابعًا تعارفيًّا في بادئ الأمر وتنسدل فيه الرؤى وينتهي بموعد لقاء آخر قريب، ثم تندفع عجلة الزمان ولتهدئ من وقعها في قاعة جديدة، فالسرد دائري لا يسير في خط مستقيم أفقي أو صاعد تصبح كل نقطة سابقة فيه ماضي سحيق لا قيمة له، بل شخصيات الرواية لأي أزمنة متفاوتة كانت تمتزج بهدوء كأننا تجاوزنا الزمان لا في زمان واحد منغلق.

أصفهان:

تلك المدينة التي كان يقصدها الكاتب بالأساس فهي المكان الذي قضى فيه ابن سينا وكتب فيه ما كتب وكان مرقده الكريم، وفي جمال أصفهان وسهولها وروضها أبدع الكاتب في وصفها وكيف أنها حافظت على عبقها على مر الزمان، ولم تدنسها أيدي المتحاربين، هي الفاتنة التي سرقت أنظار العالم إليها وروت أرضها بدماء تلك الجيوش بتقلبات الأحوال وتبدل الأمصار. فقال في وصفها: “حجرها كُحل وذبابها نحل، وحشيشها زعفران. يسقيها نهر “زاينده رود” وترف حولها بيت المقدس”.

 

القاعة الثالثة:

تهبط الطائرة الخليجية في مطار طهران يكتفي الكاتب بتعليقات سريعة على أهم المعالم التي صنعت التاريخ الحديث لإيران الثورة والشاه! يقصد أهم المدن التي وقف عليها ابن سينا وقتها، وتزود فيها الناس والسلاطين بعلمه وأراح على الكثير مشقة الألم والمرض.

 

ابن سينا في هذه الرواية ما هو إلا رمزية اتخذها الكاتب نبراسًا ليضيء ظلمة التاريخ، فالراوية تزاوج بين أقطار بلاد المسلمين حيث تلتقي نفوس الرواية بتصافي دون اجترار صفري لظلمات التاريخ، فهي رحلة اكتشاف لم يكن الكاتب حريصًا على فتح أبواب حول الصراعات المذهبية ولا غافلاً عنها في الآن.

بل كانت مساحة لتلاقي النفوس الطاهرة التي تؤمن بعبر التاريخ لا بقدسيته، وإدراك ما وهبه الله لنا من كرمه، ومحاولة لوحدة الوجدان بالضرورة. حيث كان الراوي محلقًا في السماء يعاين التاريخ من أعلى لا يدنس قدميه ويغرق في أدرانه ولا ينكرها، ولكنها النفس تشتد قوتها وصفاؤها وتسمو حينما تتزكى بوعي التاريخ لتميل وتهفو نحو الاجتماع والوحدة.

القاعة الرابعة:

كثيرًا ما يقف الشاب المصري (الراوي) على الرسومات والآيات القرآنية المرسومة على الجدران ومداخل المتاحف بإيران، يتأملها ويقرأها فهي الجامع المفهوم بين تلك المخطوطات الفارسية الأخرى، أو ربما كانت آيات القرآن هي الحلقات الأقوى صلابة والمتبقية لتعيد غزل تلك الألوان المتداخلة والأشكال المتنافرة نسجًا لسجادة شديدة الجمال جيدة الخامة والصنع.

مغادرة الشاب المصري من أرض الحجاز إلى أرض أصفهان كان محل تساؤلات وخوف وامتعاض لدى البعض ومخاطر ربما مما قد تسبب له عقبات عند عودته إلي محل إقامته بجدة!

 

نهاية الرحلة كانت في مرقد الرسول صلى الله عليه وسلم نهاية مشرفة نهاية رحلة لو أوردتها في هذا المقال لا تفسده ولا تنقص منه شيئًا،.

فالرواية هذه ليست كالرواية الحديثة التي تشبه نسق النكتة لو ذكرت نهايتها ومفارقتها الأخيرة أخذت منها الكثير، هذا إذا لم تفسدها بالكامل وأصبحت لا قيمة لها طالما جُعلت على خط مستقيم قيمته كله في نقطة الإمتاع ولحظة الفوز عند النهاية ولا قيمة كبيرة للمسير المنزوع الرؤى والأفكار.

وبعد أن سلّم الراوي على الرسول صلى الله عليه وسلم وألقى السلام على “أبي بكر وعمر” رضوان الله عليهما ثم إلى البقيع باكيًا ومسلمًا على جميع الساكن ينور بما كان الكاتب يقصد من ذلك تجديدًا واستمرارًا للعهد، ولكن ليته أضاف فقرة أخرى ينتهي بها الراوي عند الطواف بالكعبة دلالة على الحركة الدؤوب المستمرة والسعي القاصد إليه سبحانه وتعالى.

في الأخير تذكرت ذلك المسكين الذي يقطنالأرض الحارة، فهل من يكتب عن هويته الإسلامية.

يا أخي في الشرق، في كل سكن
يا أخي في الأرض، في كل وطن
أنا أدعوك.. فهل تعرفني؟
يا أخًا أعرفه.. رغم المحن

(أشعار الفيتوري)

الخروج:
يمتلك الكاتب ناصية من الثقافة ومعرفة بالتراث ومقدرة هائلة على التعبير والتفسير، يجعلك تستسلم لحروفه وتبحث عن كل سطر منشور كان قد كتبه.

وقبل أن أقبل إلى رواية جديدة مع الكاتب “محمد العدوي” موعدي القادم مع تكرار هذه الرحلة عَلِّي أجد فيها ما لم أجده في المرة الأولى، فالأعمال العظيمة في بطنها مستويات وطبقات لا تشي بكل ما عندها من القراءة الأولى.

فهي رواية جميلة ولا أقصد “بالجمال” الكلمة الدراجة في أحاديث الناس وعلى كل ما خطف أبصارهم من الوهلة الأولى، بل هي جميلة بمعنى المقصد القرآني الذي يعطي معنى الجمال من بعد الروعة الفنية البديعة بُعدًا توحيديًّا.

وهي النقطة التي أشار إليها د/محمد المجذوب في كتابه الإسلام والفنون متحدثًا عن العمل الجمالي “إذ هو محاولة للتعبير عن “عالم الحقيقة” المسكون بالمثل الإلهية، لا إبداعًا فنيًّا أو علميًّا عارضًا، إنه تعبير عن حالة عشق هائلة تجاه جمال الله – (في النفوس المؤمنة وفي المدن كما في الرواية) – تصبغ عمل الفنان في اهتماماته المختلفة، يقول تعالى: “صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون”. (رواية تستحق القراءة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد