لا تنهار الممالك فجأةً، ولا تسقط الدول بغتةً، ولا تقتلع الشجرة قبل تنظيف ما حولها، إنها سـنن السياسة الدولية، التي لن تجد لها تبديلًا، ولن تجد لها تحويلًا.

قبل أن تسقط نظامًا يجب عليك –أولًا– أن تسقط من حوله مؤيديه، وقبل أن تسيطر على تيارٍ يجب عليك –بدايةً– أن تسيطر على أنصاره، وحين يقف الخصم وحيدًا بلا نصير، فريدًا بلا حليف، فقد اقتربت نهايته، وحانت وفاته.

المثال الأول في التاريخ هو فتح القسطنطينية، فقبل أن تسقط القسطنطينية في يد العثمانيين الأتراك كانت قد سقطت في أيديهم ما حولها من القرى، تم فتح القسطنطينية عام 1453م، ولكن قبل هذا التاريخ كان العثمانيون قد غزوا «نيقيه» و«نيقوميديا» ​​عام 1337م، وبالتالي حاصروا القسطنطينية تمامًا من جهة الجنوب، ثم فتحوا مدينة «أدرنه» على الساحل الأوروبي سنة 1363م، ونقلوا مركز العاصمة إليها؛ لتكون نقطة التحرك والجهاد في أوروبا، وزاد توسعهم في الجانب الأوروبي حتى فتحوا بلغاريا عام 1393م، وبذلك صارت القسطنطينية محاطةً بالعثمانيين من الشمال والجنوب، ولم يبقى أمامها إلا السقوط، فسقطت عام 1453م، بعد أن سقطت قبلها ما حولها من القرى في قبضة العثمانيين الأتراك.

المثال الثاني في التاريخ سقوط غرناطة، فقبل أن تسقط غرناطة 1492م كانت النصارى قد استولت على الساحل الشمالي والغربي لبلاد المغرب الإسـلامي، فاحتلوا «سبتة» عام 1415م، ثم سيطروا على مدينة «القصر» عام 1458م، ثم أخذوا مدينة «أصيلا» في 24 سبتمبر (أيلول) عام 1471م، وفي الأسبوع نفسه -بعد خمسة أيام- احتلوا مدينة طنجة المغربية، وهكذا أحاطوا بغرناطة من فوقها ومن أسفل منها، وأصبحت في حالٍ ليس أمامها إلا السقوط، فإن حاربت خسرت، وإن سالمت خسرت، فسقطت غرناطة عام 1492م، بعد أن سقطت قبلها سواحل المغرب العربي في قبضة البرتغاليين.

المثال الثالث في التاريخ سقوط فلسطين 1948م، فقبل سقوط فلسطين في يد الصهاينة كان قد سقط قبلها ما حولها، ذهبت الدولة العثمانية وكانت ســدًّا منيعًا، وصخرةً عتيدةً تتحطم عليها أطماع الغزاة، وذهب السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض بيع فلسطين بأموال الدنيا وكنوزها، وسقطت مصر والعراق والأردن ودول الخليج العربي تحت الاحتلال البريطاني، وسقطت سوريا ولبنان والجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا تحت الاحتلال الفرنسي، وبقيت فلسطين وحدها تواجه مصيرها المحتوم، ومرةً ثالثة أصبحت في حالٍ ليس أمامها إلا السقوط فسقطت.

الآن تغيّر الزمان، وتغيرت معه صور السيطرة والنفوذ والاحتلال، فأصبح هناك الاحتلال الاقتصادي، والاحتلال الثقافي، واحتلال التبعية، واحتلال الهوية، الآن احتلال التصنيع ورؤوس الأموال، ونفوذ الشركات المتعددة الجنسيات، والدول التي تسعى خلف مصالحها لا تسمح لأعدائها بتطويقها وحصارها، بل تحاول –ما وسعها– مدّ خيوطها وأيديها ومعاركها إلى خارج أرضها وشعبها وحدودها، الولايات المتحدة الأمريكية هي أقلّ الدول تضررًا في الحربين العالميتين؛ لأن معاركها على أرض خصومها، فهدمت برلين، وخرّبت باريس، وقصفت لندن، وسلمت بوسطن وواشنطن.

موسكو الآن تهرب من حصار الغرب، فتتقدم خطوات نحو الملف السوري والكوري والإيراني، وهذا ما تلاحظه كذلك في الحالة الإيرانية، فالصراع الآن ليس في طهران أو أصفهان أو كرمان، وإنما في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء والمنامة، إذ تنقل إيران معاركها خارج أرضها، وتحاول –جاهدةً– تطويق أعدائها وحصارهم. وفي المقابل يحاول أعداؤها إشعال الصراعات والقلاقل في الداخل الإيراني علّها تنكفئ على ذاتها، وتنشغل بنفسها، الصراع مع الصهاينة كان في الجولان وسيناء وجنوب لبنان، ولم يكن في تل الربيع أو حيفا أو عكا.

في ظل الحرب الاقتصادية الحالية على تركيا يجب عليها أن تفكّ الحصار الكردي في الجنوب، وحصار الاتحاد الأوروبي في الشمال، وتنقل ميدان المعركة إلى خارج أرضها، وفي النهاية فإن سـعر الليرة التركية سيحميه السـلاح التركي قبل أن يحميه الاقتصاد.

ولا يعني هذا إهمال الداخل التركي، والعيش في دور الإمبراطوريات العملاقة مترامية الأطراف، بل يجب اتخاذ حزمة قرارات اقتصادية لا أقول: عاجلة، ولكن أقول: مدروسة، قرارات تعزز الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية اللازمة لغذاء الشعب وعلاجه وتسليحه. يجب أن تكون المعركة معركة الاستقلال من التبعية الغربية، وبناء الاقتصاد الوطني المستقل، كما يجب شرح أبعاد المعركة للشعب التركي خاصة والشعوب الإسلامية عامةً؛ لضمان المشاركة الجماهيرية في حمل العبء، وتحمل المسؤوليات، فإذا خرجت تركيا منتصرةً من هذه الأزمة، فستلحق بها إيران وماليزيا، ولعل هذه الأيام تؤسس لما بعدها، وإنّ غدًا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد