لو نظرنا إلى أسباب وملابسات ظهور ما يُعرف بالنزعة الأنثوّية المتطرفة «Feminism» -التي نشأت وتبلورت في ستينيات القرن الماضي والتي تُعدّ أثرًا من آثار ما بعد الحداثة الغربيّة- لوجدنا أنّ نشأة هذه النزعة المتطرفة لم تكن محض صدفة عارضة، إنّما جاءت كنتيجة حتميّة متسقة مع مقدمات لها، تتمثل في غلوّ التراث الغربي الفلسفي والديني في احتقار وازدراء المرأة.

ففي التراث الفلسفي الغربي، نَجِدُ أنّ أفلاطون -الذي كان يأسف لأنّه ابن امرأة- قد دعا في جمهوريته الفاضلة إلى أنّ: «نساءُ محاربينا يجب أنّ يَكُنَّ مشاعًا للجميع، فليس لواحدةٍ منهن أن تقيم تحت سقف واحد مع رجل بعينه»، ونجد أنّ سقراط يقول: «للنساء البيت وللرجال السياسة»، ونقرأ لنيتشه: «إذا قصدت النساء فخذ السوط معك»، ويزعم فرويد أنّ: «الرجل يُمثّل كامل الإنسانيّة، والمرأة -بما أنّها ليست رجلًا- تعيش آسفة أن لا تكون رجلًا»، ويزعم داروين -أيضًا- أنّ: «المرأة أدنى في المرتبة من الرجل.. وأنّها لا تصلح إلّا لمهام المنزل».

وإذا كان التراث الفلسفيّ الغربيّ طافحًا بصورِ احتقاره للمرأة، فإنّ التراث الديني الغربيّ ليس أحسن حالًا، وحسبنا من ذلك قول القدّيس بونافنتيرا: «إذا رأيتم المرأة فلا تحسبوا أنّكم شاهدتم موجودًا بشريًا ولا موجودًا موحشًا، لأنّ ما ترونه هو الشيطان نفسه»، ولقد دعا القديس أوغسطين إلى: «إخضاع النساء للرجال كما يخضع العقل الضعيف للعقل الأقوى».. أما في التراث اليهودي -الذي يعتبر من تراث الحضارة الغربية أيضًا- فإنّ الرجل: «يصلّي كلّ صباح صلاة الشكر لله، لأنّه لم يخلقه عبدًا ولا وثنيًا ولا امرأة».

وقدكانت نتيجة هذا التطرّف الفلسفي والديني في التراث الغربي ظهور ثورة فوضويّة عبثية مفككة، ترى أنّ أصل العلاقة بين الجنسين تقوم على مبدأ الصراع والعداء، ووصل بها التطرّف إلى إعلان الثورة على الدين، وعلى الله، وعلى الثقافة واللغة والتاريخ.. وبدأت تُنظر وتُقعّد لعالمٍ تتمحور فيه الأنثى حول ذاتها، وتستقل فيه استقلالًا كاملًا عن الرجل عبر الشذوذ والتحرر الانحلالي، الأمر الذي يُشكّل في حقيقته خروجًا على الفطرة والأثونة، وكارثة حتّى على صعيد الوجود الإنسانيّ!

وبإمكاننا أنّ نرى هذه الفوضويّة والعبثيّة جليّة في كتابات فيلسوفة هذه النزعة المتطرفة، الكاتبة الوجوديّة سيمون دي بوفوار إذّ تقول: «الزواج: السجن الأبدي للمرأة، يقطع آمالها وأحلامها» وتعتبر أنّ: «مؤسسة الزواج مؤسسة لقهر المرأة، يجب هدمها أو إلغاؤها»، وترى أنّ الدين يعادي بطبيعته المرأة إذّ تقول : «تحوّل إلى عدوٍ -للمرأة- بسبب التفسيرات الذكورية للدين»

وعندما ظهرت قضيّة الفتاة السعوديّة – رهف- التي هربت من بلادها، ثارت عاصفة من الكلام.. ومع أنني لا أرى في هروبها إلّا نتيجة حتميّة متسقة مع مقدماتٍ لها أيضًا، ومع ظهور العديد من التوجهات في تحليل هذه المُقدمات، فإنّ الذي استوقفني هو تحليل الحداثيّ المفتون بالحضارة الغربيّة -بعَجَرِها وبَجَرِها- والذي وجد في هذه القضيّة حجّة عملية ليبدأ بالتنظير والتقعيد مُجددًا للنموذج الغربي في تحرير المرأة منطلقًا من دعوى ظُلم الشريعة الإسلاميّة للمرأة، وإذا كُنت قد بينت -فيما سبق- صورة المرأة في الثقافة الغربيّة قديمًا وحديثًا، فإنني أريد الحديث بإنصافٍ عن المُقدمات التي أدّت إلى إفراز هذه الظاهرة في واقعنا.

لقد احترم الإسلام أنوثة المرأة بعد احتقارها من قِبل الجاهليات العربيّة والغربيّة، وأزال عنّها ركام كلّ النظرات السيئة، وقد سَرت هذه الرؤيّة الإسلاميّة في عهد السلف الأولين.. كانت المرأة آنذاك تتردد على المساجد، وتتعلم كما يتعلّم الرجل، وتقاتل مع المقاتلين، وتداوي الجرحى، وتأمر وتنهى وتنصح.

وعلى إثر حقبة التراجع الإسلامي الحضاري وما تبع تلك الحقبة من استعمارٍ وموجات تغريب وتشويه، فتكت بالأمّة الإسلاميّة أميّة طامسة أورثت مسخًا فكريًا مشوّهًا في مجالاتٍ شتّى، ومنها ما يتعلّق بقضايا المرأة.. لقد تسلل إلى منظومة الفرد الفكرية آنذاك بعض تقاليد الجاهليّة القديمة، فعادت تغمط حقوق المرأة الماديّة والأدبيّة، وتُنكر ما أقرّ لها الإسلام باسم الإسلام!

إنّ بعضًا من المتحدثين باسم الإسلام أرادوا العودة بالمرأة إلى التقاليد البدويّة القديمة، فبدأت صيحاتهم المنكورة تنادي بألّا تُصلّي امرأة في مسجد، وصدر تحريم بألّا تنتسب المرأة للمدارس، وصدرت فتاوى مكذوبة بأنّ وجه المرأة وصوتها عورة، وقيل أنّ المرأة لا علاقة لها بالنشاط الثقافي والاجتماعي، أمّا عن مشاركتها في ميادين السياسة والرياسة فهذه جريمة لا تغتفر.. لقد حُرّف في تلك الفترة المأزومة الكلم عن مواضعه، وضُعّف الصحيح، وصُحح الضعيف.. لا لشيء إلّا لإعادة أحياء تراث الأعراب والصعاليك في ازدراء الأنوثة

ولا زالت إفرازات حقبة التراجع الحضاري هذه وما تبعها من استعمارٍ وتغريب من مسخٍ فكري مشوّه، تسري في منظومة الفرد الفكرية باسم الدين، ويوم تُصبح تعاليم الدين على يد من يتحدث باسمه مقولبة ومغلوطة.. فإنّ مثل هذه الظواهر نتائج حتميّة لا بدّ منها، إذّ أنّه بهذه التعاليم لن يكون دينًا من عند الله، بل ميدانٌ يتناوشه ثلّة من قاصري الفهم وضفعاء النظر. ولذلك فإنّه يجب غربلة هذه التقاليد الشائعة، وما انبنى عليها من أحكامٍ فقهية وآثار اجتماعية باطلة لا صلة لها بالشريعة، كما أنّه لا بدّ من شنّ حربٍ شاملة على الكهانة والجهل وكافة الأدواء والرذائل التي أصابت بعض دعاة الإسلام، الأمر الذي شكّل مدخلًا سهلًا للمُتربصين بالإسلام للنيل منه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد