لكل منا قناعاته ومعتقداته الخاصة التي يرى أنها حقيقة خالصة لا مجال لإعادة النظر فيها، لكننا في كثير من الأحيان ما نصادف أشخاصًا يحملون فكرًا يبدو غريبًا على ما نراه أنه الصواب في ظننا، محاولين بشتى الطرق والسبل إرغامنا جاهدين في تقبل هاته الفكرة أو الرؤية الجديدة، ولكن لا ننسى أننا في حالات أخرى نتقمص دور المرشد الناصح المغير لمعتقدات الآخرين زاعمين أنه الأفضل أو الأخير أو الأصح وقل ما شئت من هاته الألفاظ.

    قد تختلف الأهداف والنوايا أثناء عرض الآراء والأطروحات من شخص لآخر، فهذا متعصب لرأيه يريد من الكل اتباعه والآخر يريد بكل إخلاص معرفة الحقيقة واتباع اليقين، لذلك أيها القارئ دعنا من هذا أو ذاك ولنتخيل معًا أنك تمتهنُ القضاء في محكمة المدينة لسنوات عدة، وباعتبارك قاضيًا محنكًا لديه من الخبرة ما يلزم، فقد تم تكليفك على قضية دار حولها الكثير من الجدل بين سكان المدينة، القضية مفادها أن السيد محمود والذي يبلغ من العمر 23 سنة قد تم اتهامه من قبل محققي الشرطة بأنه المسؤول على عمليات شنيعة متمثلة في اغتصاب 10 فتيات يتراوح عمرهن بين 15-17 سنة.

    المحاكمة بدأت وبدأ المدعي العام وهو الشخص الذي دائمًا ما يقف مدافعًا عن الضحية بعرض منطق حججه أمام القاضي (الذي هو أنت) ليدين ويثبت بذلك أن السيد محمود هو الذي قام بهاته الجريمة النكراء. بعد دقائق معدودة وبعد انتهاء الفترة المخصصة للمدعي العام، يقف بكل حزم وثقة المحامي الخاص بالسيد محمود لكي يدافع ويعرض هو أيضًا الحجج والذرائع التي تثبت براءة المتهم.

   بعد سماعك لكلى الطرفين حان الآن وقت الإعلان والإفصاح عن الحكم النهائي، هذا الحكم وجب أن يكون عادلًا، بل والأهم من ذلك أن يكون عن وعي بالمسؤولية الملقاة على كاهلك، فإما أن تطلق ذئبًا مفترسًا بين أوساط المجتمع سيواصل مستقبلًا مهنته في افتراس فتيات أخريات، أو أن تضع نقطة النهاية على حياة شخص بريء ما زال في ريعان شبابه، فهل السيد محمود برئ أم أنه مجرم ماكر؟

القارئ لهاته المقدمة البسيطة يدرك المشكلة المطروحة أمامه ليبادره سؤال طبيعي يطرح نفسه بنفسه.

ما هو المعيار الفاصل لصدق أو كذب قضية ما؟

أو بصورة أبسط كيف يمكن التمييزُ والحكم في أن قضية ما صحيحة والأخرى خاطئة؟

أو خياليًا على أي أساس يمكن تبرئة السيد محمود أو إثبات جرمه؟

  هذا الإشكال قررت أن يكون أول محطة في هاته السلسلة من المقالات، سنحاول في هذا المقال الإجابة عليه بقدر من التفصيل.

   بداهة للحكم على صحة قضية ما وجب الاحتكام لسلطة الدليل، ففي المثال التخيلي السابق نجد أن السيد محمود يتم تبرئته أو إدانته فقط عن طريق النظر في الأدلة، فالأدلة وحدها كافية للجزم بحكم يفصل في مصير السيد محمود ويغلق كل أبواب القضية، أظن أن العبارة الأخيرة لا يحتاج القارئ إلى الكثير من التفكير لإدراكها.

   الآن وبعيدًا عن الخيال لنأخذ مثالًا آخر يوضح الفكرة الأخيرة، هذا المثال نجده في الحياة اليومية متداول بين عامة الناس، حيث دائمًا ما نسمع أن في كثرة شرب الشاي بعد الوجبات يؤدي إلى التقليل من الإصابة بمرض السرطان، المعلومة الأخيرة وجب أن تكون مرفقة بدليل داعم لصدقها، وإلا فستكون عبارة كغيرها من العبارات التي لا قيمة فعلية لها. السامع الفطن لهاته العبارة سيقوم بالبحث عن دليل محدد لها قبل تصديقها أو العمل بها، شخصيًا عند سماعي لها لأول مرة قمت تلقائيًا بتطبيقها دون البحث عن أية دليل داعم لها، وهذا يعتبر خطأ كبيرًا في عملية التفكير الصحيح.

  لكن ما هو الدليل؟ ببساطة الدليل هو كل ما يرشد إلى المطلوب ففي المثال السابق المطلوب هو اثبات أن شرب الشاي بعد الوجبات يقلل من الإصابة بالسرطان والدليل الذي نحتاجه في هاته الحالة دراسة طبية إحصائية تبين لنا صحة الادعاء السابق.

  خلاصة القول من هاته الأمثلة أن أي قضية مطروحة تحتاج إلى دليل داعم لها، لكن وجب الإشارة بأن الأدلة أنواع نذكر منها:

الدليل العلمي وهو دليل يستند أساسًا على المنهج العلمي الحديث في إثبات الحقائق إثباتًا موضوعيًا كالتقارير الطبية والحقائق الفيزيائية والكيميائية أو حتى الحقائق الناتجة من العلوم الاجتماعية والإنسانية.

يوجد أيضًا الدليل العقلي ويقصد به إدراك القضايا عن طريق العقل والمنطق، من الأمثلة على ذلك البديهيات العقلية أو المسماة بالضروريات كالنقيضان لا يجتمعان (حي مع ميت، خير وشر، أعلى مع أسفل) أو مبدأ الثالث المرفوع في المنطق الكلاسيكي ويمكن أيضًا إضافة الأدلة الاستقرائية والأدلة الاستنباطية والأدلة الرياضية… إلخ.

يمكن أيضًا طرح المرجح الوجداني كدليل في بعض الحالات مثال على ذلك هو حالة تساوي الأدلة 50٪ للطرف أ، 50٪ للطرف ب، هاته الحالة نجدها أيضًا في الفقه الإسلامي، لكن بضوابط حيث إن الفكرة مستوحاة من الحديث الحسن: استفت قلبك وإن أفتاك الناس. إن الأصل في تسميته مرجح وجداني، وليس دليلًا وجدانيًا هو عملية الترجيح النفسي التي لها أصول عملية، فمثلًا الشعور بالعطش يؤدي بي إلى الاعتقاد أن الماء موجود، هذا الترجيح الأخير هو عملية وجدانية يؤدي بنا في هاته الحالة إلى اعتباره كدليل على وجود الماء.

   يمكن أن يوجد في قضية واحدة كل الأدلة السابقة كالقضايا المتعلقة بإثبات وجود الخالق بين المؤمنين وغير المؤمنين مثلًا، ويمكن أيضًا مصادفة قضايا لا تحتاج إلى استدلال أصلًا، كالقضايا البديهية مثل الجزء أصغر من الكل.

   أخيرًا يوجد فرق لغوي بسيط فيما يسمى بالدليل والبرهان، حيث إن الدليل يحتمل الصواب أو الخطأ، أما البرهان فهو الشيء المبين الصادق والواضح، لكن من الملاحظ في لغتنا المستعملة أنه لا يوجد تفرقة بين المصطلحات الآتية «دليل» «برهان» «حجة»، أما في الكتب الدراسية Textbooks، فعادة ما يتم استخدام دليل للماديات، والبرهان للقضايا الرياضية، والحجة للمسائل العقلية.

   ختامًا إذا تم ضبط الموضوع فسيتم تلقائيًا ضبط الأدلة اللازمة لإثبات أو نفي الموضوع، لذلك وجب على السامع أو القارئ أن يتأكد من صحة الموضوع المطروح، بل الأهم من ذلك أن يتأكد من أن يكون الموضوع مدعومًا بأدلة.

   في المقال التالي سنكمل هاته السلسلة من المقالات ونبحر في رحلة معرفية أخرى للتعرف على بعض المغالطات التي دائمًا ما يستخدمها الكثير من الأشخاص أثناء محاولاتهم لإقناعنا بآرائهم ومعتقداتهم الخاصة.

«في الواقع، إن الناس جميعًا يصدقون عادة معظم ما يقال لهم في هذا العالم الشرير، أما أنا فلا أصدق إلا ما يثبت لي بالدليل الحاسم». من المقولات المشهورة عن أجاثا كريستي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدلة, معتبرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد