إن العقل البشري هو كلمة معنوية؛ وتعني القدرة على التفكير، وهو ما يميز الإنسان عن الحيوان، أما الدماغ فهو ما يحتويه الجمجمة من مكونات؛ وهي المخ والمخيخ. ومن المؤكد أن العقل أو قدرة الإنسان على التفكير تختلف من شخص إلى آخر، وبالضرورة من مجتمع إلى آخر.

قرأت قبل سنوات مخطو طة قديمة لرجل مجهول في التاريخ مفادها: أن مخ الإنسان الزنجي تأثر عبر الحقب التاريخية المختلفة بدرجات الحرارة العالية والشمس المحرقة والمناخ الاستوائي الحار صيفًا؛ مما أنتج إنسانًا ضعيفًا في القدرة على الابتكار والتميز الصناعي.

هل ما يقوله هذا الرجل النكرة في تاريخ العلم والمعرفة صحيحًا؟ أم نبرة عنصرية تجاوزت حدود اللباقة والأدب؟ سأعود لحديثه لاحقًا، لكنني أتوقف في أمثلة من واقع حالنا العام في أفريقيا، وقبل ذلك أذكر رأي الفيلسوف الإغريقي «أرسطو» في مسألة تفوق الأجناس.

يقول «أرسطو» إن قدر الطبيعة أوجد أجناسًا متفوقة بطبيعة الحال، وأجناسًا أخرى قدرها أن تكون في خدمة الأجناس المتفوقة، ووقتها هو يشير بصراحة إلى تفوق الإغريق في عصرهم الذهبي، ونفس الفهم لـ«أرسطو» كان سائدًا في بلاد الإغريق؛ وهو السبب الرئيسي لكل غزواتهم العسكرية وحروباتهم الدموية التي نفذوها.

ونفس الفكرة عايشتها ألمانيا مع «هتلر» بهوس الجنس اللاري، وأسطورة تميزه عن أجناس الأرض، وكذا النورمنديون والإنجليز والفرس والعرب والفرنجة والرومان والزنوج الأفارقة، كل هؤلاء وغيرهم يدّعي تفوقًا وتميزًا على الأجناس الأخرى.

هناك بعض الأمثلة تدعم قدرًا من التفوق للجنس الأبيض، ونقصد الحضارة الغربية عمومًا من فرنجة، وألمان، وإيطاليين، وإنجليز، فلا يعقل أن لا نعطي هؤلاء قدرًا من التفوق العقلي، وهم من صنعوا كل مستلزمات الحياة اليومية لنا ولغيرنا، فهم من صنع العلاج والمعدات والأجهزة والأدوات، ليس في أفريقيا صناعات توازي نتاجهم الصناعي الكبير، ومن أكبر الأدلة أن هؤلاء صنعوا الطائرة في القرن التاسع عشر الميلادي، ونحن في القرن الحادي والعشرين وعقولنا الأفريقية عاجزة تمامًا عن صناعة سيارة بنسبة 100%.

من هنا بدأت أميل لتصديق حكاية ضعف قدرات العقول الأفريقية، وهذا ليست من باب العنصرية، فمَنْ يتعنصر على نفسه؟! وأنا من أم درمان قلبها النابض، وابن رجلها المريض كما يقال عن السودان.

هناك مشكلة يجب أن تبحث وهي أين مكان الأزمة؟

في بلادي السودان اليوم شرعت شركة ألمانية في استيراد مليوني طن من التربة الرملية؛ وحددت من مواقع بعينها وهي بارا في شمال كردفان؛ والمتمة بنهر النيل، أنا باعتباري أفريقيًّا أعتبر هذا فتحًا عظيمًا للتصدير باعتبار أنني أعطيهم ترابًا مقابل مال، وأجزم أن مسئولي بلادي بنفس الفهم، بيد أنه من المؤكد أن نفس الرمال التي بيعت لهم سوف تعود إلينا كزجاج لسيارات المرسيدس، وندفع أضعافًا مضاعفة من سعر الرمال التي بعناها لهم، من المبدع ومن المميز في القدرات والتفكير.

اليوم نعاني وضعًا اقتصاديًا صعبًا، وبدلًا من دعم القطاعات الإنتاجية؛ لتخفيف سرعة انهيار العملة الوطنية، تزداد قيمة الجبايات، وترتفع الكشات في الأسواق؛ لتزيد كمية العطالة بحجج لا يفهمها سوى العقل الأفريقي.

في ساحة مسكل بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا شاب في كامل قواه العقلية والنفسية يقتل مدير مشروع سد النهضة أكبر مشروع تنموي في القارة الأفريقية، والذي يعتبر نقلة نوعية في مشاريع أفريقيا، إنها الرجعية في أبشع صورها.

لكن بالمقابل أليست هذه تصرفات فردية لا يمكن أن تعمم على العقول الأفريقية؟، وأن تفوق جنس على آخر هو من باب الخرافة والهرطقة فقط وليست الحقيقة.

وما يعزز ما نقوله، أليس الإنسان الأفريقي هو أول من صهر الحديد في التاريخ، واستخدامه في مروي وجبال علي.

أليست جامعة تمبكتو كانت مرجعًا عظيمًا للعلم والمعرفة، ومنارة سابقة في القرن الثاني عشر الميلادي، وحتى قبل أن تعرف كثير من بلاد الحضارة الغربية الجامعات؟

وإن سلطنة دارفور كانت قوة اقتصادية وعسكرية مهيبة فهي من تغيث بلاد الحرمين، وتقوم بكسوة الكعبة المشرفة.

ولماذا نتجاهل أن معركة شيكان التاريخية هي أعظم انتصار تحقق على الإنجليز بعبقرية العقل الأفريقي، وأن «هانيبال» المقاتل القرطاجي الأسطوري هو أول من انتصر على الإمبراطورية الرومانية وهو عقل أفريقي كبير، وأن قائدًا في الجيش السوداني حقق الانتصار في خمسين عملية هجومية واضعًا رأسه برأس «الإسكندر الثالث» المقدوني أكبر فاتح عرفته البشرية.

فهذا قدر يسير ربما يجعل صحة تواضع العقل الأفريقي مقابل العقول الأخرى موضع شك كبير.

وفي تقديري إن البيئة والظروف السياسية والاقتصادية وطبيعة حياة الإنسان في أفريقيا يجعل من الظلم له أن يوضع موضع مقارنة مع غيره من أهل الحضارة الغربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد