إذا نحن رمنا الحديث عن الحركات الإسلامية لا بد أن يقابلها وفق علاقة جدلية ترابطية ما أصبح يطلق عليه بـ«الإسلام السياسي»، ذلك أننا لم نعد نتحدث في عصرنا الحديث عن حركات إسلامية إصلاحية نهضوية شمولية، تنطلق من الجزء وصولًا إلى الكل، من المجتمع تربية وتعليمًا وسلوكيات، إلى السياسية إصلاحًا وتقويمًا ونهضة، بله أصبحنا نتحدث عن حركات غايتها ومغزاها الحكم والسلطة.

وهذا هو القصد بالإسلام السياسي؛ معناه أنه توصيف لحركات تؤمن بأن الإسلام نظام سياسي للحكم لا مجرد دين ينظم الأفراد في علاقتهم بأنفسهم، وفي علاقتهم بالعبادات الربانية، بل يرى هؤلاء أن الإسلام نظام سياسي واجتماعي، قانوني واقتصادي في تضافر كل هذه المكونات أمكن الحديث عن نظام دولة منطلقها الأساس وقانونها الأسمى: الشريعة الإسلامية. «إن عبارة الإسلام السياسي فيها الكثير من الغموض والالتباس، فإذا كان المقصود هو إدخال الدين في السياسة فقد كان الإسلام دائمًا سياسيا، والقرآن لم ينزل لكي يقرأ في البيوت، وإنما لكي يقود المجتمع ولكي تكون الدنيا مزرعة للآخرة. ولكن المقصود اليوم عندما يتم الحديث عن الإسلام السياسي هو تقليص الدين إلى مجرد أدبيات سياسية أو برنامج حزب سياسي فحسب».1

وبذلك فإن رفع شعار «فصل الدين عن السياسة» معناه ألا يكون الدين مطية ووسيلة للوصول إلى أهداف سياسية تتمركز بشكل أساس حول الوصول إلى السلطة والحكم.

لقد أدرك هؤلاء ما للخطاب الديني من تأثير في النفوس واستمالة للعقول، مستغلين في ذلك أيضًا ظروفًا سياسية واقتصادية متردية عرفتها الدول العربية قبل الربيع العربي، ما شكل أرضًا خصبة لصعود مجموعة من الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلاموية وفق آليات انتخابية ديمقراطية إلى سدة الحكم كما وقع في مصر والمغرب أنموذجا.

لم يكن صعود الحركات الإسلامية وليدة لحظة، بل ساهمت وتضافرت في ذلك سياقات تاريخية متعددة ومتشابكة تتمحور بادئ الأمر في سقوط آخر معاقل الخلافة المتمثلة في الدولة العثمانية، إذ أصبح العرب والمسلمون خصوصًا لأول مرة يفكرون خارج إطار الخلافة وداخل إطار جديد هو الدولة، بحيث شكلت الخلافة رغم تصدعاتها في فترات تاريخية من الحكم الإسلامي القاعدة الشرعية والقانونية التي يرتبط بها المسلمون.

ويرتبط السياق الآخر في نشوء الدولة الوطنية أو المدنية في مرحلة ما بعد الاستعمار مع ما خلفه هذا من إبعاد وتغييب ممنهج لسلطة علماء الدين وتأسيس الدولة لعلمائها المقربين الذين يضفون عليها الشرعية الدينية وهو ما أطلقت عليه هذه الحركات الإسلامية بـ«علماء السلطان» «وينبغي الإقرار بأن النقاش حول الإسلام وموقعه من الدولة قد أريد له الغياب منذ ميلاد هذه الدولة الحديثة في مرحلة ما بعد الاستعمار. لقد نشأت الدولة العربية الحديثة على عجل، مثل جنين سابق لأوانه، مدفوعا بقوة خارجية. وارتبط ذلك الاستعجال بهدفين أساسيين: الهدف الأول هو الإسراع في رسم الحدود السياسية في العالم العربي بحيث لا يتم المساس بها لاحقا، على أن تبقى تلك الحدود تحت السيطرة، والهدف الثاني هو الحيلولة دون صعود أو إشراك قوى اجتماعية – سياسية معينة في السلطة، والمقصود بهذه القوى علماء الدين أو ما يسميه البعض «النخبة التقليدية»2. ثم من جانب آخر النظرة إلى الحداثة وما ارتبط بها من مفاهيم كالعلمانية والفردانية باعتبارها وفق هذه الحركات على أنها مؤامرة غربية.

لقد تشكلت بوادر الحركات الإسلامية الإصلاحية مع حالة التردي والضعف التي عرفتها الخلافة العثمانية في أواخر حياتها وإن كانت هذه الدعوات الإصلاحية فردية؛ أي تعتمد على جهود فردية لشخوص معينة تمثلت في جهود جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم. لم يكن لهؤلاء رغبة في الحكم ولا غاية في مشاركة السلطة بل كان منطقهم يعتمد على نهضة شمولية من إصلاح مجتمعي إلى إصلاح سياسي اقتصادي ملتزمين بمهمة العلماء في التاريخ الإسلامي المتمثلة في الإصلاح، وأن العلماء ورثة الأنبياء لا يرثون درهمًا ولا دينارًا وإنما يرثون العلم والنهضة الفكرية، فجمال الدين الأفغاني كان مطمحه فيما يرتبط بالبناء السياسي الحفاظ على دولة الخلافة، شرط محاربة الاستبداد السياسي، فكان هذا شرطه في مبايعة عبد الحميد الثاني.

بينما ذهب الكواكبي إلى نزع المشروعية عن خلافة آل عثمان تجلي ذلك في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» حيث حاول الكواكبي إعادة ترتيب وتنظيم العلاقة بين الدين والسياسة؛ إذ يرى أن الاستبداد السياسي إنما ينبع من الاستبداد الديني، حيث إن الخلافة العثمانية كانت تكتسب مشروعيتها السياسية انطلاقًا والمرجعية الدينية، فالخروج عن السلطان خروج عن أمر الله في حكمه، «وهذه الحال هي التي سهلت في الأمم الغابرة المنحطة دعوى بعض المستبدين الألوهية على مراتب مختلفة حسب استعداد أذهان الرعية، حتى يقال إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الذين يعينونه على ظلم الناس باسم الله». 3

وإن كان الاستبداد مركز كتاب الكواكبي فإن تفريعات الاستبداد عنده ارتبطت بفروع عديدة منها الأخلاقي والعلمي والمالي…

ويؤكد ما أوردناه سلفا طبيعة الإصلاح في هذه المرحلة الممتدة من خمسينيات القرن التاسع عشر إلى عشرينيات القرن العشرين حيث إن النهضة الإصلاحية كانت شمولية تتأسس ضمن مجالات عديدة لكن المتفق حوله أن هذه الجهود كان وراءها عمل المصلح إصلاح الأمة لا التهافت وراء السلطة أو استغلال للدين لتحقيق مآرب سياسية.

غير أنه بعد انهيار الخلافة العثمانية، ونشوء الدولة الوطنية، ورسم للحدود الجغرافية بين الدول الإسلامية العربية مع ما عرفه هذا من تقليص لدور علماء الدين وبروز علماء الدولة بدأت تظهر الحركات الإسلامية مرتدية صفة الإسلام السياسي. «فبعد أن كان المسلمون أمة تحت سلطان واحد أصبحوا متفرقين تحت سلاطين متعددين، وبعد أن كان الإسلام هو الذي يحكم من أعلى هرم السلطة – على الأقل علنيًا – أصبحت هناك دعوات تجهر بنزعات عرقية أو قومية أو نقل تجارب الغرب ووضع القوانين المدنية مكان الشريعة الإسلامية، وفي الوقت الذي كان المسلمون خاضعين لـ«خليفة» يقف على رأس إمبراطورية ممتدة أصبحوا يخضعون لحكام جدد لا أحد منهم يثير مسألة الخلافة».4 وبالتالي فإن نشوء الدولة المدنية ارتبط بخروجها عن الإسلام في عرف الحركات الإسلامية طالما أن الخلافة ركيزة من ركائز الدين، وبذلك سيؤثر هذا الصراع في الدين نفسه حيث سينقسم الدين قسمين: الدين الرسمي أو دين الدولة، ثم دين الحركات الإسلامية وكل منهما يدعي الصحة ما سيدخل المجتمع أيضًا في انفصام وانقسام وهو ما أقحم الدين أيضًا في صراع سياسي حول الشرعية والمشروعية. ومن هذا المنطلق لم تعد مهمة الإصلاح نهضوية بل تركزت أساسًا في مطلب واحد وحيد: إنشاء الدولة الإسلامية واعتماد الشريعة الإسلامية قانونًا للدولة. ليُختزَل الدين كله في موقف سياسي للتداول باسم معارضة الدولة القائمة ومؤسساتها، ويصبح سلطة مادية لا سلطة معنوية مبثوثة في المجتمع.

ومن جانب آخر تم تسييس مفهوم الدعوة أيضًا لدى الحركة الإسلامية، إذ يربط فريد الأنصاري مفهوم الدعوة بـ«منطق الدعوة إلى الله عمومًا، أو بمنطق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصا»5، غير أنه مع الحركة الإسلامية أصبح مفهوم الدعوة مرتبطًا بعملية التجييش والتعبئة لموقف سياسي؛ بمعنى أنه تم تحويلها إلى آلية للوصول إلى بناء الدولة وخدمة لأهداف الحركة لا خدمة لقضية الإسلام والهوية الدينية للمجتمع.

هكذا انتقلت الحركات الإسلامية من منطلق الإصلاح الشمولي وإحياء العقل العربي وإرساء مشروع شامل للنهضة إلى مجرد أدبيات في الحكم والسلطة من مغزى النهضة إلى مغزى الحكم. «لقد أدى رفع شعار الدولة الإسلامية إلى الانقسام الاجتماعي والفكري والسياسي أكثر مما أدى إلى التوافق»6.

1- إدريس الكنبوري: الإسلاميون بين الدين والسلطة مكر التاريخ وتيه السياسة.

2- المرجع نفسه.

3- عبد الرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.

4- إدريس الكنبوري: نفسه.

5- فريد الأنصاري: البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي.

6- إدريس الكنبوري: نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد