لَفَظَ «ديفداس» أنفاسه الأخيرة بمقولته الشهيرة: أردت «بارو» فلم أحظ بها، وأرادتني «تشندراموخي» فلم تحظ بي، فما هذه العدالة يا إلهي.

«ديفداس» شاب عشريني من أبناء الطبقة الأرستقراطية في الهند، وقد جاءت قصة حياته الحقيقية بالفيلم الهندي الشهير «قلب الحب»، كانت «بارو» تنحدر من أصول غجرية لأسرة فقيرة في بنجلاديش، وقد اضطرت أسرتها إلى الارتحال عن محل إقامتهم بسبب قدوم الفيضان، وشاءت الأقدارُ بأن يسكن الحبيبان بعضهما بجوار بعض، وبعد مُضيّ فترة من الألفة والصداقة حصل «ديفداس» على منحة دراسية بالخارج ولم يعد إلا بعد مرور 10سنوات.

ومرت الأيام وتزوجت «بارو»– تحت ضغط الأهل وابتعاد ديفداس عنها- من رجل ثري وانتقلت معه للعيش في إحدى المدن القريبة، دخل «ديفداس» بعدها في أزمة نفسية عميقة، وكانت ترعاه خلالها «تشندراموخي» التي أحبته ولكنّ قلبه كان متعلقًا بمن قطفت الزهرة الأولي من قلبه، وروت نفسه الظمأى بنسمات الحب.

وبينما كان في طريقه إلى إحدى محطات القطار، سقط على الأرض مغشيًّا عليه، وشعرَ بروحه وهي تتصاعد من جسمه؛ فطالب المحيطين به أن يأتوا به إلى منزل «بارو» من خلال ذكره لعنوان زوجها الذي كان يعرفه، ولم يُكتب له أن يكون وجهها هو آخر من تراه عينيه، إذ فارق الحياة قبل أن يصل إلى منزلها. لأول وهلة قد يبدو لك أن ما فعله «ديفداس» كان بمثابة الخيانة لبارو؛ إذ تركها وابتعد عنها في وقت كانت في أمسّ الحاجة إليه.

لكن على العكس من ذلك، لم يكن «ديفداس» إلا زاهدًا من الزهّاد في الحب بعد أن حالت الأقدار بينه وبين من أحبّ، ولقد عرفت الأمم والمجتمعات على مدار العصور السابقة كثيرًا من الزهّاد، فهاهم رجال الدين لا يكاد يخلو حديثهم من الآيات القرآنية التي تدعو إلى اتباع فضيلة الزهد في الحياة ونبذ التمسك بالملذات الزائلة، كذلك لن تعدم من رجال الاقتصاد من يخبرك عن الزهد ولكن بمعناه الشائع داخل النظريات الاقتصادية المختلفة من التقشف واتباع عادات سليمة في الإنفاق لا تؤثر في الدخل، وفي علوم المتصوفة والنابهين في معرفة الذات الإلهية ستجد من يُحدثك عن أن الزهد ليس بتناول الغليظ من الطعام، وارتداء الخشن من الملابس، وإنما بتحقيق الاتزان بين منافع الدنيا ومنافع الآخرة.

أما أن يعتزل أحدهم الحب، ويسلك طريقًا غير طريقه، ويسير بممرات لا تصل إلى أبوابه، فهذا هو الزاهد في الحب، وكعادة القصص الأسطورية بين العُشّاق، فإن الحب لا ينتهي إلى صلة حقيقية تجمع بينهما وتؤلف بين قلبيهما تحت سقف بيت واحد، فقد كانت تلك من أهم الأسباب التي تلجئ المُحب إلى إيثاره العاطفة وعدم السماح للقلب بأن «يدُق» مرة أخرى، فقد يكون العامل ماديًّا، كأن يكون الرجل أغنى من المرأة أو العكس، وفي تلك الحالة فإن بانتظارهم مشاكل جمّة في حياتهم، فطبيعة الحياة الزوجية تقضي بوجود متطلبات دائمة للمعيشة، قد لا يقوى أحدهما على استيعابها، كما أن هناك قطاعًا عريضًا يخشى من الإقدام على زيجة لا يتحقق فيها عنصر التكافؤ والتماثل، بدعوى أن العاطفة والحب المتبادل سيغنيهما عما سواه من المأكل والمشرب!

والحب قد يكون بزهد وقد يكون بغير زهد، فما تعلق بزهدِ كان مملوءًا بالثقة والاطمئنان إلى ثبات العاطفة عند الحبيب واستقرارها على قلبه دون سواه، فهو في تلك الحالة يعلم مكانته ومكانه عند الحبيب، فلا يسعى إلى محاصرته وإحكام المُلاحقة والسيطرة عليه خشية أن يفوز بقلبه آخر، أما الحب الذي انتفت عنه صفة الزهد فليس بحب حقيقي، إذ إنه لن يخلو من الشك في الطرف الآخر، ومحاولة فرض عادات وأساليب تعامل مُسبقة من شأنها أن تضعف من حبهما، وسواء أكان الحُب مُتعلقًا بصفة الزهد أم لا، فإن من يُحب لا ينسى، فالصدق والبراءة من أسمى الصفات في الحب، ولو كان حبك صادقًا ستكون دائمًا من مُحبي الخير لحبيبك، سواء أكان معك أم لا، فلا عليك إلا التماس صدق قلبك، لتعلم أنك لا تلهو ولا تنوي قضاء وقت سعيد في علاقة عابرة أفضل ما يقال عنها إنها «خِسّة».

لقد كان قيس بن الملوّح والشهير «بمجنون ليلى» من أصدق المحبين في تاريخ البشرية، فقد دعاه حبه «لليلى العامرية» ورفض أبيها تزويجه منها إلى هجرة وطنه وفقدان عقله، فأنشد يقول:

ذكرتُكِ والحجيجُ له ضجيجُ … بمكة والقلوب لها وجيبُ

فقلت ونحن في بلد حرامُ … به لله أخلصتِ القلوبُ

أتوب إليك يا رحمن ممّا … فعلت فقد تظاهرت الذنوبُ

وأما من هوى ليلى وتركي … زيارتها فإني لا أتوبُ

 

فلقد فعل به هيامه وشوقه الأفاعيل، حينما رآه العربان في آخر حياته وهو يُمزّق الثياب، ويسكن الجبال، ولا يستأنس إلا بالحيوان، وخاطب ربَه في شعره يستتيبه من الذنوب التي اقترفها، إلا أنه لن يتوب عن حبه لليلى، أفلا نُعدّه صادقًا وزاهدّا في الحُب!

إن الزاهدين في علاقات الحب في تلك الحياة، لجديرون بأن تنصبَ لهم الميادين، وترفعَ لهم القبعات حقًّا لهم على كل من حبّ فأحب فسار الهواء في طريقه دون أن يُخالفَ شِراعه، فالزهد فيما زاد وفاض عن حاجة الإنسان حثت عليه كل الأديان والشرائع، أوليس المحبُ قد سالت مشاعره بالطرقات فلم يرَ من بُد إلا أن يتصدق بها على الفقراء ومستحقي الصدقات ممّن أوجعتهم آلام الفراق، أوليس هذا أحق بأن يُسمى زهدًا؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد