وقفت أرقب السماء الرمادية من وراء شباك غرفتي، عندما كان الليل يودع النهار ويكاد يحل مكانه، أما الغمام فقد قذف حبات المطر بقوة محدثةً صخبًا محببًا للقلوب، وكادت الأشجار تتحطم تحت ضرب سياط الرياح. شاهدت ظلًّا يعبر بين أشجار الزيتون، ويكاد يغوص في الأرض الموحلة، كان يلهث بشدة، وأزعم أنه لولا زجاج الشباك المغلق الذي يحجب أصوات الخارج، لاستطعت سماع صوت لهاثه يقرع أذناي… غاب عن نظري تحت شجرة الزيتون الرومية التي تبسط أغصانها بكثافة فتبدو كغرفة محصنة، تخفي من يجلس أسفلها عن أعين الرقباء، وقفت لدقائق انتظر خروج الرجل، خلتها الدهر كله، ولكن بقاءه طال، رغم تواصل انهمار المطر، عبث الفضول برأسي، وضرب تفكيري الكثير من الأسئلة حول هذا الرجل، من هو يا ترى؟ وما الذي دفعه للجلوس فوق الصخرة المبتلة في هذا الجو الماطر شديد البرودة؟ ما قصته؟ أهناك ما يطارده ويهرب منه؟ أم أنه هارب من نفسه؟ أتكون وراءه قصة ما؟

هرعت إلى والدي أخبره، شك في كلامي في البداية، فقد ظنها إحدى خيالاتي وحكاياتي التي أبدع دائمًا في نسجها، فأجعل فيها من ظل غصن الشجرة أفعى تتحرك وتصطاد صغار العصافير من أعشاشها. ولكنني رجوته أن يفحص الأمر بنفسه ليتأكد. خرج على مضض يرتدي معطفًا سميكًا من الجلد، وحذاءً طويلًا يمنع الطين من الوصول إلى قدمية، غلب الليل النهار، وأسدل ستاره الداكن على الكون، شاهدت والدي يزيح أغصان الأشجار ويسير بينها، بيد أن العتمة حجبته عن عيني، طال بقاؤه في الخارج، سيطر القلق على أفراد العائلة، ناديناه بملء حناجرنا، إلا أنه لم يجب، غلبت والدتي فكرة الخروج للبحث عنه تحسبًا من سوء أصابه، إلا أن الخوف قد ضرب بخنجره صدورنا أنا وإخوتي الصغار، فانطلقنا نبكي بحرقة، ما اضطر أمي للبقاء معنا تحاول طمأنتنا، رغم القلق البادي على محياها.

بعد ما يقرب ساعتين عاد والدي إلى البيت، يلوث الطين والغبار وبقايا نسيج العناكب ملابسه، ويبدو عليه الانشغال، وملامح وجهه تشي بحدوث أمر جلل، طمأننا بأن كل شيء بخير، وطلب من أمي أن تعد عشاءً يليق بضيوف سيحضرون عما قريب، وأمرنا بأن نذهب للنوم.

ذهبت لغرفتي، ولكن الفضول أرقني، فبقيت يقظة أحاول معرفة ما يحاول والدي إخفاءه عني، لمحته يحمل أطباقًا من الطعام مصفوفة على صينية كبيرة غطتها أمي بقطعة قماش، ثم سمعت صوت الباب الخارجي يُفتح ويُغلق، أيقنت بأن أبي يخفي شيئًا ما.

وتكرر مشهد صينية الطعام يحملها أبي وينطلق بها خارج البيت، سألته من دون مواربة: من هذا الرجل الذي اختفى في أرضنا؟ أين ذهب يا ترى؟ وما قصته؟ وما قصة الطعام وزجاجات الماء التي تخرج بها مع حلول الظلام يوميًّا؟ أطرق والدي برهة، ثم نظر بحدة في عيني قائلًا: سأخبرك لاحقًا بكل شيء، أرجوك الآن أن تدعي الله لي بأن يعينني ويثبتني على ما أقوم به. ولكن عديني أن يبقى ما رأيت في أرضنا سرًّا لا تبوحي به حتى لنفسك، فأي كلمة منك قد تؤذينا جميعًا.

أحسست بخطورة الموقف، فقلت لوالدي: حسنًا، أعدك بذلك.

غدا والدي قلقًا مشغولًا طوال الوقت، رغم محاولاته الدائبة أن يبدو طبيعيًّا، كما أصبح شديد الحيطة والحذر، وأخذ يهتم جدًّا بتفقد الأرض المحيطة بمنزلنا مرات عدة في اليوم الواحد. أخذت أرقب حركات والدي وسكناته، وأحاول تفسير سلوكياته، ولكن دون جدوى، أما أمي فقد التزمت جانب الحياد والصمت، وكأنها لا علاقة لها بشيء، رغم مثابرتها على إعداد طعام إضافي يوميًّا.

وبعد مضي شهرين، وفي الثلث الأخير من الليل، وقد كدت أنسى ما استجد علينا بعد أن غدا أمرًا معتادًا، استيقظت على جلبة عالية خارج المنزل، استغربت الأمر، فبيتنا تحيطه أشجار الزيتون من كل جانب، وهو بعيد عن المنازل الأخرى، ولا يدخل الأرض إلا أهل البيت، فما هذه الجلبة الآن؟ سمعت أصواتًا تتحدث بلكنة غريبة لم أعهدها، وتأمر والدي بتسليم نفسه. هاجمني الخوف، ماذا يجري بحق الإله؟ ماذا يريد جنود الاحتلال من والدي في هذه الساعة المتأخرة من الليل وهو الذي لم أعهد له نشاطًا سياسيًّا ومقاومًا أبدًا؟

ارتدى والدي ملابسه على عجل وفتح الباب، فتلقفه الجنود، وانهالوا عليه ضربًا، سمعتهم يضربونه بعصيهم ويهددونه بالقتل، وكانوا يتحدثون عن مطلوب يخبئه والدي. كان والدي يجيب على أسئلتهم بعبارة واحدة لا غير: لا أعلم عن ماذا تتحدثون. فتشوا البيت وعاثوا فيه فسادًا، وفتشوا الأرض، وقلبوا التربة في أماكن عدة، دون أن يتمكنوا من العثور على شيء.

أخذوا يسألونني وإخوتي الصغار عن المكان الذي يخبئ فيه والدي المطارد، تذكرت العهد بيني وبين والدي، وقلت بقوة ومن دون تردد: أنا لا أعلم شيئًا. كانوا مراوغين، ولكن الله ثبتني أمام خداعهم، غادروا البيت بعد أن اعتقلوا والدي، شاهدتهم من الشباك يضعونه في عربة عسكرية غبراء، مدمي الوجه مقيد اليدين، بكيت لحاله، ورحت أصلي وأدعو الله أن يثبته ويكون بعونه.

قضينا بعد ذلك أيامًا حزينة، لا نعلم عن والدي شيئًا، قامت أمي خلالها بأدوار والدي مجتمعة، بما فيها حمل الطعام والماء مساءً إلى حيث لا أدري. وفي أحد الأيام بعد أن أسدل الليل ستاره، أحسست بحضور غريب خارج المنزل، فخرجت أمي تستطلع المكان، ولم تتمكن من ملاحظة شيء غير اعتيادي.

وفي الليلة ذاتها، وبعد منتصف الليل، طوق بيتنا رجال مدججون بالسلاح يرتدون ملابس عسكرية زيتية اللون، وبمكبرات الصوت أخذوا ينادون بلكنتهم الغريبة: «عمر ياسين» سلم نفسك، وإلا فسنطلق عليك النار، سلم نفسك قبل أن نفجر المكان بك، لا تحاول الفرار فالمكان محاصر بالكامل.

هاجموا البيت بهمجية، وأخرجونا منه، قيدوا والدتي وأخذوا يضغطون عليها بأن تدلهم على مكان «عمر ياسين» المطارد، إلا أن والدتي لاذت بالصمت كعادتها، قاموا بهدم جزء من البيت عسى والدتي تتراجع عن موقفها وتبوح بما لديها من معلومات، ولكن العناد كان سيد الموقف، اقتلعوا شجرة الزيتون الرومية التي كانت تنوء بالثمر الذي تعلق بأغصانها بكثافة وأصبح لونه مصفرًا يكاد يقطر الزيت منه مستجديًا القطاف، وكسروا كثير من الأشجار الأخرى، وأضرموا النار في ما تبقى أشجار، سمعت إطلاق نار كثيف يأتي من الطرف الشرقي لأرضنا سمعتهم يصرخون ويتحدثون عن ضرورة تفجير الغار بمن فيه، كما شاهدتهم ينقلون جرحى لهم إلى عربة إسعاف حضرت للمكان برفقة إمدادات من العتاد والجيش وكأنهم يواجهون جيشًا جرارًا… طال بقاؤهم، وطال تبادل إطلاق النار.

هز المكان انفجار عنيف، حل بعده صمت مميت، أصبت بفزع شديد وأدركت أنها النهاية، شاهدت المعتدين يغادرون يجرُّون جثمانًا طاهرًا ممزقًا يقطر دمًا زكيًّا كالطيب يشع منه نور لم أر مثله في حياتي، جروه بطريقة مهينة فوق الحجارة التي تفرش الممرات بين الأشجار، وحملوه على مقدمة الجرافة الضخمة التي دمرت زيتوننا.

أمضى والدي في السجن عشر سنين بتهمة إيواء مطارد خطير قتل منهم وأثخن فيهم الجراح، خرج أبي بعدها ليعيد زراعة أشجار زيتون جديدة، ويبذر القمح الذي أخذ ينبت سنابل ذهبية ملآى بالحبوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد