25 يناير بين الذكرى والفكرة

لا شك أن الكثير ممن شاركوا في مشروع الثورة المجهض في 25 يناير (كانون الثاني)، بَات بِهم الحال الآن أن يتيقنوا أن مشروع ثورتهم قد أحِيطَ به، وأصبح بالدليل القاطع والبرهان الساطع أنه انقلاب عسكري ناعم بامتياز، تمت قراءته وإدارته بأعلى مستويات الحرفية والدهاء، فمن المضحكات المبكيات تَوهم البعض إلى يومنا هذا إلى حد الاحتفال بهذا الانقلاب، وتسميته بالثورة المجيدة.

نعم خُدعنا، نعم لم نكن على مستوى الفهم الدقيق لكل القوى الفاعلة والمؤثرة في إدارة المشهد، نعم لم نستطع إكمال الثورة وتراجعنا حينما بدأت، نعم لم نستوعب بعضنا البعض، نعم انقلبَ بعضُنا على بعض وتفرقنا، نعم لم ندرك أننا في مرحلة فارقة في مستقبل الأمة تستدعي التخلي عن الصراعات الأيديولوجية وتقديم المصلحة العامة على المكاسب الخاصة، والكثير من الحقائق التي يجب أن يعترف بها كافة التيارات والقوى والحركات المُسيسة وغير المُسيسة ممن شاركوا في مشروع ثورة أجهضته قوى العسكر الانقلابية بامتياز مع مرتبة الشرف، أقر بذلك رئيس أركان القوات المسحلة سامي عنان في ذلك التوقيت، ونشره في مذكراته المبتورة التي تم نشر عدد واحد فقط منها بجريدة الوطن (رابط المذكرات أسفل يا ثوار) في سبتمبر (أيلول) 2013، أي بعد استكمال مشهد الانقلاب الأخير.

ولكن المعضلة هُنا ليست فقط في استمرار الايمان بالخديعة، واستحضار الذكرى، وفرد حلقات النقاش والتحليل والتفصيل في ما مضى، والبكاء على ما ضاع وفات، وكيف كان وماذا لو كان، وإنما المعضلة الحقيقية والكارثة الكبرى أنه حتى من استفاق من أبناء هذا المشروع الثوري المجهض بمحض إرادتنا، وقرر أن يفضح هذا المشهد وأن يعترف بحقيقته من كافة التيارات التي شاركت، لا يزال يكابر عن الاعتراف الكامل بالهزيمة، وأنه جزء أصيل من أسبابها بشكل ما أو بآخر، ويحمّل كل طرف نظيره خطايا الجميع الثورية، حتى وإن كان هناك تيارات وقوى وحركات سياسية كبرى وصغرى مُسيسة وغير مُسيسة، بل وأفراد ونخب اعترفت بالخديعة واعتذرت لعموم الشعب، بل وللأمة جميعُها؛ ولكن ماذا بعد؟ ماذا قدمت؟ على ماذا اتفقت؟ إلى أين تذهب؟ الحقيقة لا شيء!

لا يزال الجميع يعجز عن تقديم اعتذار عملي واحد عن حق الأمة في القصاص لدماء الشهداء، عن حق الأمة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، عن حق الأمة في التخلص من التبعية المهينة، عن كافة حقوق الأمة المهدورة، لا يزال الجميع يعجز حتى عن تقديم مبادرة اتفاق واحدة تبعث بصيص أمل لكل مكلومٍ ومعتقلٍ ومُطارد ومُهجر. نعم تلك هي الحقيقة التي يجب أن تُستحضر في كل ذكرى تمر على الفكرة، ولا يزال الانقلاب قائمًا، ولا يزال الانقلاب يعبث بكل مقدرات الأمة، بل ويغير هويتها الوطنية، والجميع يلهث حول وحدة غير مشروطة بأية تنازلات تقدم الفكرة والمشروع الثوري على حساب الجميع.

يا أيها الثوار لن يرحم التاريخ أحدًا حينما يحكي لأجيال قادمة عن مشروع ثورة ضيعه أبناؤها، فقد سئمنا من ذكرى وقصص وروايات لا ينبني عليها عمل.

فيا أيها الثوار الأحرار يا من ضحى ولا يزال، يا من آمن بالفكرة وثار من أجلها، لا تحتفلوا قبل أن تتفقوا حتى لا تكون الفكرة مجرد ذكرى.

أتذكرون «الورد اللي فتح في جناين مصر»؟ هذا «عتاب من الشهداء»:

أينَ الشبابُ وقدْ توحّد نبضهم … وتجمّعوا في بأسهم إخوانا؟!

في كلِّ ذكرى سوف نرفعُ رأسنا … لنرى المفارقَ كلَّها ميدانا
فإذا غفا يومًا وشاخ شبابُهُ … أو عادَ يشكو العجزَ والنسيانا
وأفاقَ في صخبِ الجموعِ … وقدْ رأى فرعون آخر يجمع الكُهّانا
سيطلُّ من صمت الحناجر … يمتطي زمن الإباء.. ويعلنُ العصيانا
ويعودُ يحكي عن شبابٍ ثائرٍ … وهبَ الحياةَ لشعبنا وتفانى

فاورق جويدة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد