يعد مفهوم الأصولية من المفاهيم المتداولة اليوم بشكل كبير، وغالبًا ما يتم ربط هذا المفهوم بالدين، وهذا خطأ ناتج ربما عن التضليل الإعلامي أو عن سوء وقصر فهم. فعلى عكس هذا الفهم الشائع يمكن توسيع معنى هذا المفهوم ليشمل أشكالًا وتجليات عديدة من الأصوليات وليس فقط الدينية، وقبل الدخول في صلب الموضوع لا بد من إعطاء تعريف معين حول ما الذي نعنيه هنا بالأصولية أو الأصوليات؟

تعني الأصولية بمفهومها الشامل؛ أي الذي يربطها بعديد المجالات والتصورات، الإيمان الأعمى بفكرة ما أو قناعة معينة «ليست بالضرورة دينية»، وهذا الإيمان يكون بشكل دوغمائي وثوقي، يؤدي بالحامل لها إلى التعصب والتطرف في الدفاع عنها، الأصولية إذن هي عقيدة، لكن ليست عقيدة بالمعنى الديني وإنما بشكل أشمل؛ أي كل ما يتمسك به الفرد معتبرًا إياه حقيقة يقينية ومطلقة لا تقبل النقاش، وهي مرجع يحظى دائمًا بالتقديس والاحترام، وألح هنا على التأكيد أن الأصولية أنواع وأشكال، بحيث لا يمكن اختزالها في الدين، هذه الأصوليات بمفهومها العام ينبغي نقدها بوصف النقد هنا وسيلة وأفقًا للإصلاح، الأنواع التي اخترت إبرازها هنا ومناقشتها هي ثلاثة: «الأصولية الدينية – الأصولية القومية – الأصولية العلمانية».

1- الأصولية الدينية:

يحيل هذا المفهوم إلى كل نزعة دينية تدعي أن معتقد جماعتها هو الحق، وأنه ينبغي على الجميع اتباعه، هذا التيار يتمسك دائمًا بالمرجع الأول الذي يعد الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه والاستنباط منه، وهو متمثل في الكتاب المقدس كمرجع أساسي نعود إليه، ترتكز هذه النوعية من الأصوليات على أن المعتقد الديني شيء ينبغي تقديسه واحترامه، وينبغي فرض رؤية معينة في تفسير الدين، هذا التمثل للدين وليس الدين في حد ذاته هو الذي ينتج الجماعات المتطرفة والتكفيرية، والتي تعتبر أن ما تقوم به هو الحق، وأن ما يقوم به غيرها هو الباطل، كما أنها تنتج الانغلاق؛ بمعنى محاولة الاحتماء بقراءة دينية معينة ورفض قراءات أخرى، وتبرز الأصولية أيضًا من خلال تكفير الآخر ورفض مفهوم وثقافة الاختلاف، ويمكن القول إن هذه الأصولية الدينية ينبغي نقدها من خلال إحلال مفهوم التعايش والاحترام بين الناس وكذلك الحوار بين الأديان، وأيضًا من خلال توضيح أن الدين حمال أوجه؛ أي أنه يخضع للقراءات والتأويلات المتعددة، وأن القراءة الأحادية لا تمثل الدين بقدر ما تمثل نفسها.

2- الأصولية القومية:

تتجسد هذه الأصولية في كل تيار يزعم أن قوميته وجماعته هي الأفضل دون ما سواها، ترتكز القومية على ثلاثة أركان «اللغة – التاريخ – العرق»، إن هذه الأصولية حينما تبنى على هذه الأسس هي دائمًا مصحوبة بنزعة التفضيل؛ أي إعطاء قيمة لشعب ولحضارة ولقومية معينة على حساب أخرى، في الأدبيات الغربية عادة ما تجسد هذه الفكرة؛ حيث تتم الدعوة إلى اعتبار أن التقدم والحضارة هي غربية بامتياز، والتأكيد أن العقل الغربي أفضل من العقل العربي؛ لأن العقل الغربي هو عقل آري، أما العربي فهو عقل سامي، والعقل الآري أفضل من العقل السامي في نظر هؤلاء، وهذا ما قام به المستشرق الفرنسي «إرنست رينان» «1823 – 1892» في دراسته للفلسفة الإسلامية؛ حيث اختزلها واعتبرها مجرد ترجمة للفلسفة اليونانية بأحرف عربية، وعلى النقيض من ذلك هناك اليوم في العالم العربي الأصولية القومية التي تتجلى في تيار «القومية العربية»، الذي يدعو إلى ما يسمى بالدولة العربية الموحدة، والتي تتأسس على الأسس والمنطلقات المذكورة من لغة وتاريخ…»، هذا التيار يطرح فرضية التقدم والتي تتم في نظره من خلال الرد على النهضة الغربية بنهضة عربية تجد جذورها في التراث العربي، وما يعاب عليه ويجعله ضمن مصاف الأصوليات التقليدية المنغلقة هو سيطرة نزعة التأصيل عليه؛ بمعنى أن كل تقدم حققه الغرب لا بد أن يجد امتداداته في التراث العربي، وأنه لا بد دائمًا من العودة إلى هذا التراث كأصل، دون نسيان ما تهضمه هذه الأصولية من حقوق الأكراد والأمازيغ… إلخ. إنه ومن أجل مواجهة هذه الأصولية التي تؤدي في الغالب إلى الحروب الأهلية، ينبغي نزع كل ادعاء بأن عرقًا معينًا هو العرق الصافي، أو لغة معينة بوصفها اللغة المثلى دون ما سواها، وأن نقبل النسبية ونعيش من خلالها.

3- الأصولية العلمانية:

تتمظهر هذه الأصولية من خلال الدعوة بشكل راديكالي متطرف إلى محو كل مظاهر الدين والتدين داخل المجتمع، وهي دعوة إقصائية تجسد فكرًا أصوليًا ليس بالمعنى الديني، ولكن بالمعنى الواسع دائمًا، الهدف منها هي إزاحته واعتباره بمثابة عائق أمام التطور لبلد معين، لا بد من التوضيح هنا أن العلمانية ليست كلها شر، وليست كلها متطرفة وأصولية، ففي مختلف الدول المتقدمة هناك علمانيات منها العلمانية المرنة المتسامحة مع الدين، مثال العلمانية البريطانية، ومنها العلمانية الأصولية التي تقصي كل تجليات الدين، يمكن القول إن النموذج الفرنسي يمثلها، فالعلمانية الفرنسية اتخذت منذ مدة قرارات راديكالية تجاه الدين، من خلال مثلًا منع ارتداء البوركيني باعتباره رمزًا دينيًّا، كما وقع ذلك في مدينة كان الفرنسية وشاهد العالم ككل عملية طرد فتيات ارتدينه في شاطئ مدينة نيس الفرنسية سنة 2016، إن الأصولية العلمانية بمختلف تجلياتها لا تقف عند هذا الحد، بل تسعى إلى إماتة الدين من خلال منع تعليمه، وهذا أيضًا نوع من التطرف من خلال عدم قبول مكون رئيسي من مكونات المجتمع، ألا وهو الدين، وفي هذا الصدد يقول الأنثروبولوجي الفرنسي «روني جيرارد» «1923– 2015»: «الدين من ثوابت كل شعب»، إضافة إلى هذا هناك التضييق على المتدينين في هذه الأصولية من خلال منع تشييد أماكن العبادة، وهذا الإقصاء الممنهج الذي تقوم به هذه الأصولية للدين هو أيضًا من العوامل التي تنتج الإرهاب، وذلك عن طريق عدم ضمان حقوق متساوية للجميع في المجتمع. هذا النوع من الأصولية أيضًا مرفوض، وينبغي نقده من خلال استدماج أن المجتمع يتكون من جميع أفراده سواء كانوا من المتدينين أم غير المتدينين، وينبغي احترام الدين بوصفه مكونًا من مكونات المجتمع.

يمكن القول عمومًا إن الأصولية مفهوم متشعب ومتنوع ولا يمكن حصرها في هذه الأنواع الثلاث، بل هنالك أنواع أخرى، كما أنه لا ينبغي دائمًا ارتكاب الخطأ الشائع، ألا وهو الربط الأوتوماتيكي بين الدين والأصولية، كما وضح من خلال المقال الأصولية تتجلى في قناعات ومجالات مختلفة وليس الدين فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد