في حضرة الشهداء

لا تكفي السطور للحديث عنهم، أو عن حياتهم، أو وصفهم؛ فهم أعظم وأكبر من أن يتحدث أو يصفهم أُناسٌ مِثلُنا، لا يختلفون عنا في شيء سوى أنّهم يمضون في الحياة الدنيا باحثين عن الله، عز وجل، وإرضائه، لا عن متاع وملذات زائلة؛ لأنهم يعلمون أنّ هذه الدنيا فانية، فكل ما يريدونه هو لقاءُ الله، عز وجل، الذي يشفي ويزيل ألمَ الدنيا من قلوبهم، «إن عبدًا خيرهُ الله بين الدُنيا والآخرة فاختار لقاء الله»، هم يسيرون إلى الله في كل حين، يعيشون لله وبالله، ويُقتلون في سبيل الله، فهم الشهداء وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار، كما أخبر تعالى عن الشهداء «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (آل عمران 169).

بالأمس ودعت فلسطين رجلًا من رجالها، وقائدًا ميدانيًّا من قادة غزة الصمود، ولعل المطّلع على ومضات من سيرته، سيدرك أن لهذا الرجل بصمات وجولات وصولات مع العدو الصهيوني، الذي لم تخل نشرات أخبار قنواته من اسم بهاء أبو العطا، حتى فتحوا موجات خاصة للحديث عن هذا البطل، الذي استنزفهم وأرهقهم، وحول بيوتهم إلى خراب ودمار، ولم يتوقف قادة الاحتلال عن توجيه التهديدات باغتياله حتى لحظات من التنفيذ، ظنًّا منهم أنهم بتصفيته سيغلقون حسابًا طويلًا، وسيفتُّ ذلك في عضد إخوانه، وقد رأت المستوطنات وتل أبيب وضواحيها حمم النيران قبل أن تتعطر الأرض باحتضان جسد القائد بهاء وزوجته.

بهاء سليم أبو العطا، قائد «سرايا القدس» في شمال قطاع غزة، اسم أرعب الاحتلال، وأربك حساباته على مدار سنوات طوال، حتى صنفه العدو الصهيوني بالمطلوب رقم واحد على مستوى الإقليم بأكمله، وليس على نطاق القطاع الساحلي، وحياته حافلة بالجهاد والملاحقة والتضحيات.

بهاء أبو العطا، اسمٌ رددته مؤخرًا وسائل إعلام العدو الصهيوني، بشكل مكثّف، فمن هو؟ هو قائد «سرايا القدس» في شمال قطاع غزة، وهو حلقة الوصل بين الأجهزة العسكرية التابعة لفصائل المقاومة.

ولد الشهيد القائد بهاء سليم أبو العطا في حي الشجاعية بمدينة غزة في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 1977م، ونشأ في أسرة مجاهدة، فوالده من المجاهدين القدامى، درس الشهيد بهاء أبو العطا في مدارس الشجاعية، وأنهى مرحلة الثانوية العامة، ولم يتمكن في بداية الأمر من مواصلة مشواره التعليمي؛ بسبب الالتحاق بالعمل الجهادي والملاحقة التي تعرض لها، إلا أنه عاد والتحق بالجامعة ليدرس تخصص علم الاجتماع.

ارتبط الشهيد بهاء أبو العطا بعلاقات ممتازة مع أسرته وأقاربه وجيرانه، فكان محبًّا للجميع، ومحبوبًا من الجميع، كان هادئًا في تصرفاته وتعامله مع أبناء جلدته، لكنه يحمل بركاناً حارقًا على عدوه، وشهد له بذلك الرعب الذي ما زال يلاحق مستوطني غلاف غزة وما بعده، حتى صار بهاء أبو العطا الكابوس الذي يلاحقهم في مناماتهم ويقض مضاجعهم.

كان الشهيد القائد بهاء ملتزمًا بواجبه تجاه دينه ووطنه، واتصف بالكرم والجود، وبارًّا بوالديه، مولعًا بحب الجهاد والمقاومة.

كما أن الشهيد متزوج وله خمسة أبناء، وهم (سليم 19عامًا، ومحمد 18 عامًا، وإسماعيل 15 عامًا، وفاطمة 14 عامًا، وليان 10 أعوام)، وجميعهم من المتفوقين في الدراسة.

شب الشهيد القائد بهاء أبو العطا، على حب الله والوطن، وعشق الجهاد والمقاومة، والتحق بصفوف «سرايا القدس» منذ بداية عام 1990، وتدرج في العمل التنظيمي، حتى أصبح قائد المنطقة الشمالية بسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، بعد أن تولى قيادة «سرايا القدس» في شمال قطاع غزة، ترجم ذلك بالأفعال، إذ أثبت أنه يستحق هذا اللقب بكل جدارة؛ فأعاد ترتيب الصفوف، وقاد جولات التصعيد والحروب على قطاع غزة بنفسه، فكان نعم القائد في الميدان، ونعم الموجه لإخوانه في الميدان.

تعرض لثلاث محاولات اغتيال، كان آخرها عام 2014 خلال العدوان على غزة، وتعرض للاعتقال على يد أمن السلطة الفلسطينية عدة مرات على خلفية نشاطاته العسكرية في «سرايا القدس».

من عايش الشهيد القائد بهاء أبو العطا، خبر عنه الحكمة، والأناة، والشجاعة، والفعل، والجرأة، عرفته ميادين غزة، مقاومًا شرسًا ضد العدو الصهيوني، فكان شعلة من النشاط والعمل الدؤوب مع إخوانه.

ارتقى الشهيد بهاء أبو العطا وزوجته، التي كانت تُسأل: «ما الذي ستفعلينهُ لو استشهد زوجك؟ كانت تبتسم وتقول: لن أحزن لأنني سأكونُ معه!».

استشهد بهاء، في عملية اغتيال جبانة، وترجل القائد المقدام، ليسجل اسمه بمداد الدم في أنصع صفحات التاريخ، وليعلن دمه بدء مرحلة جديدة في رحلة الدم، الذي يهزم الحديد والنار، وكما وعدت المقاومة في غزة ونفذت وعودها من قبل، فإن جديدها لا تقدره الحسابات ولا التحليلات، ولن تمر الجريمة دون عقاب جديد، وستفرح قلوبنا بإذن الله، وسيندم العدو الصهيوني، وإن غدًا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد