يأتي الغروب وتصيبني حالة من الاكتئاب، ويخيم عليّ الحزنُ الشديد ،لا أعرف السبب المباشر في الحقيقة، هل لأنه إيذانًا بانتهاء اليوم أم أنه بسبب تسرب الضوء وذهابه وتفلته من بين أيدينا وتسلل الليل تبعًا بشجونه؟ هل لأنه يذكرنا بالموت وانتهاء العمر وضياعه مما يجعلك تطرح على نفسك الأسئلة؟

من أنا؟ ولماذا أنا هنا وليس في مكان آخر؟ ماذا قدمت في مسيرة حياتك من خدمة للإنسانية عامة وللمسلمين خاصة؟ وعن زادك المعرفي هل اقتربت من الحقيقة أم ما زلت بعيدًا كل البعد عنها وعن الأمانة التي حملناها بظلمنا وجهلنا؟ هل يذكرنا بتقصيرنا وانتهاء الوقت وأنه قد حان وقت الرحيل؟ طوفان من التساؤلات بلا إجابات في حضرة الغروب تتركني في حالة يرثى لها وترحل لتعود من جديد في غروب آخر.

لا أعرف في أي أطار فلسفي يمكنني فهم هذه الحالة التي تصيبني كلما بدأت الشمس بالرحيل، كما تعودت أن أتامل وأفكر وأفلسف كل ما يطرأ على عقلي وعلى ما تحدثه به نفسي، محاولة مني لإيجاد إجابات مقنعة، لعل بها تسكن روحي وتهدأ قليلًا. فالشمس بشروقها وغروبها تحاكي حياة الإنسان، تولد الشمس مع الشروق لتحدث أثرًا صغيرًا نسبيًّا، تداعب أشعتها أحلامنا وطموحاتنا، فيعلق عليها جميع المخلوقات الكثير من الأمنيات التي تبعث على البهجة والانشراح والطمأنينة والأمل.

يأتي الشروق ليبدد عتمة الليل الشديد إيذانًا بميلاد يوم جديد، حيث زقزقة العصافير وتفتح الأزهار والعيون المغمضة طوال الليل ولسان حالهم يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، ومن ثم تشتد وتشتد وترتفع وتسرع كنار موقدة في الهشيم تندفع أشعتها بكل قوة وحماس، لتدخل وتبلغ حتى أصغر الشقوق وتحرق الجميع بأشعتها عند تعامدها في الظهيرة، هكذا عهدنا بالشباب ركض بلا توقف وعنفوان متحمس.

ثم تبدأ مسيرة النضوج والكمال بعد مضي الظهيرة ببلوغ الأربعين، لنراها تدفئ ولا تحرق، تحتوي الجميع تحت أشعتها وهنا ينتشر الناس، يشتاقونها فهم على يقين أنها لن يصيبهم منها أذى ولا مكروه، يطمئنون إليها فيفترشونها ويحاول البعض كشف ما استطاع من جسده حتى تتسلل أشعتها إليه لتغمره بالفرح وتحتضنه وتحتويه بالدفء.

وعلى الجانب الآخر تكن إذانًا بانتهاء طاحونة العمل والكد والكبد، وقد استفوا حظهم من الشقى والعمل، إنه وقت الراحة وإيذانًا بلقاء الأحبة من الأهل والأحباب، وهذا هو وقت العصر الذي شرفه الله بالقسم به فقال تعالى: والعصر، إنها الأربعون منتصف العمر، واكتمال العقل وبلوغ الحكمة والخير الكثير، تبلغ منه على قدر سعيك وكدك وحرصك فيما مضى من عمرك.

ثم تبدأ الشمس بالرحيل وتثقلها ميلانها مع حملها الثقيل إلى مرقضها تحت الماء، فتمضي هذه الأيام الأخيرة كثوانٍ ودقائق معدودات، إنه وقت الغروب، شريط طويل من الذكريات تمر أمامك، فالذكرى هي الشيء الوحيد الباقي بعد رحيل الأيام، منذ نعومة أظافرك وأنت في كنف والديك يضفون عليك من حنانهما واهتمامهما، ثم صباك وشبابك وأنت تركض بكل ما أوتيت من قوة وطرقك لكل أبواب السعي والمعرفة لكي تحجز لنفسك مكانًا، وتعرف لك عنوانًا، ثم الأربعين وأنت تحاول تهذيب وتطويع نفسك فقد لانت نفسك لك وصرت تعرف أسرارها وخباياها، وبدا لك منها ما كان غامضًا.

فاستطعت أن تلجمها وتوجهها بعض الشيء إلى حيث ما ترى فيه المصلحة إنه وقت الحصاد والمضي قدمًا بخطى ثابتة، ثم أرذل العمر ونهايته، فها هو قد تعسعس ليلك وتنفس صبحك، يا ترى كيف أبدو الآن؟ هل اشتعل الرأس شيبًا؟ هل رسمت أسفاري على وجهي خرائطها؟ هل خفت نور عيني؟

وإذ بكل هذا أراه في مرآتي، هل نضجت روحي أم لم تنضج بعد؟ فقد استهلكت جسدي وأوهنت عظمي ولم يعد يحتملها، هل اقترب وقت الفراق والانفصال بينهما أم أنه قد حان بالفعل؟ هل هناك قيمة للاستمرار أم أنه فقط انتظار بلا عائد؟

وبعد تأمل وتفكير طويل أدركت أنه قد حان وقت الرحيل، فقد سئمت وزهدت الحياة على هذه الأرض، وأصبح كل شيء غريبًا بالنسبة لي، يحن الجسد إلى أصله، وتتوق الروح إلى الخلاص، فأثرت الرحيل في صمت بلا جلبة ولا عويل، خلسة في ليل تسللت إلى قاربي بلا زاد ولا أحمال، متخليًا عن كل شيء إلى مرقدي تحت الماء حيثما غربت الشمس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد