“الإنسان حيوان ناطق، لكنه في أغلب الأحيان لا يصل للمرتبة الأخلاقية للحيوان، فالحيوان يقتل من أجل غريزة البقاء، أما الإنسان فيقتل من أجل غرائز أخرى كالحقد والكره والغيرة”. أوسكار وايلد.

في قراءتك الأولى لكتاب ممدوح علوان “حيونة الإنسان” سيصدمك الكاتب في محاولة إثبات أن الإنسان حيوان ناطق بالفعل، رغم أن الكتاب احتوى أخطاء كثيرة منها اعتماده على الاستدلال الفلسفي والفكري دون إسقاط على الواقع؛ إلا أن الكاتب نجح ببراعة في إيصال فكرته، ورغم الهجوم الذي شنه الكاتب على الدين الاسلامي، إلا أن الكتاب ابتعد عن صراعات الأديان، وركز على عمومية الفكر الإنساني ووحدته.

يطرح الكاتب فكرة الثنائية المتوازية الموجودة داخل الإنسان والصراع الدائر داخله بين المتناقضات التي وضعها الله فيه، رغم امتلاك الإنسان محتوى جينيًا عقليًا عكس الحيوانات التي لا تمتلك هذا المحتوى، وأثناء لحظات الارتباك السلوكي فإن تأثير العقل يختفي تماما، وتصبح الغريزة هي المحرك الأساسي لأفعال الإنسان، ودون تحكم فإن الإنسان يتصرف تماما كالحيوانات تبعًا لتلك الغريزة.

في الكتاب يروي (ممدوح علوان) قصة طائرة صغيرة سقطت فوق أحد الجبال الجليدية، ونجا طاقمها وبعض ركابها بينما توفي بعض الركاب، بعد ساعات من البقاء في الجليد بدأ الركاب يسقطون واحدًا تلو الآخر من شدة الصقيع، كان من بين الناجين أحد الطلاب الدارسين للعلوم البيولوجية، نصحَ الطالبُ الناجين بتناول البروتين من أجل الحفاظ على حرارة أجسادهم والبقاء أحياء وسط جبل جليدي، وحولك مجموعة من الجثث فإن البروتين لا يتوفر سوى في أجساد الركاب المتوفَّيْن، أكمل الطالب نصيحته بضرورة تناول لحوم المتوفيْن قبل فوات الأون، بعد دقائق زَحَفَ الناجون نحو الجثث وبدؤوا في نهشها، بعد 4 أيام من الاستمرار في تناول لحوم الرفاق وصلت طائرة إلى المكان وأنقذت الركاب، عاد كل منهم إلى حياته الطبيعية وكأن شيئًا لم يكن!

حينما تنهار القيم السلوكية بشكل عام فإن حواس الإدراك لدى الإنسان تتعطل، ويفقد القدرة على التمييز بين الأشياء، وحينها يحدث ارتباك وظيفي بين المتناقضات المتوازية داخله؛ فيقترب أكثر من النزعة الحيوانية، لا تستغرب من ركاب الطائرة لأنك ربما تفعل هذا مستقبلاً!

 

في هذا الكوكب الضئيل فإن بهيمية الإنسان ظهرت منذ الأزل، بداية من مقتل قابيل على يد أخيه نهاية بالفيديو الذي بُث على الإنترنت لمنتسبين للدولة الإسلامية في العراق والشام وهم يذبحون 21 مصريا على شواطئ ليبيا. حروب طويلة شهدها هذا الكوكب على مدار تاريخ البشرية القصير على أساس الدين والجنس والعرق واللون ورغبة في الإقطاع، لكنها جميعا سقطت في الفخ ذاته؛ الاعتقاد المريض بأن ثمةَ شيئًا ساميًا مطلق الصواب، وما دون ذلك الشيء فهو يستحقُ النبذ أو الإقصاء أو الإفناء.

 

من تاريخ تعايش البشرية فإن نموذجيْن فقط يمكن اعتبارهما ملخصا لكل بداية ونهاية للحروب والدمار، إما أن تستطيع الأفكار البشرية تقبل بعضها البعض وعدم الوثوق بصواب أي شيء صوابًا مطلقا بما في ذلك الدين، والنموذج الآخر هو نفي التعايش جملة وتفصيلا عبر تغليب مكون واحد في الحياة على كل شيء، ومن ثم السعي لنصرته بكل الوسائل والطرق السلمية وغير السلمية، بشكل ما استخدام السيف لقطع كل شيء مخالف فينسحب الجميع خوفًا من البتر ومن ثم تبقى الفكرة منتصرة بسيوف أصحابها مع انزواء المعارضين جانبًا وتتابع الأجيال فإن الاستبداد سيصبح جزءًا من الفكرة، فكرة لا تطبق إلا باستبداد.

 

لماذا أصبحنا دواعش؟
بمرور الزمن فإن طبقة المهزومين ستتحول إلى طبقة من المقهورين، وخلقة الإنسان ترفض الهزيمة بطبيعتها ولا تستكين بسهولة للقهر، سرعان ما سيبحث الإنسان المقهور عن طريقة مباشرة أو غير مباشرة للتخلص من القهر الواقع عليه، هنا يمكننا تصنيف القهر لقهر فكري وقهر جسدي، وهما أبرز أشكال القهر تأثيرًا وظهورًا. في كتاب الدكتور “مصطفى حجازي”، “مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” وهو واحد من أفضل الأبحاث العربية التي ظهرت في العقود الأخيرة، على لسان الكاتب:

“أن الإنسان المقهور في المجتمع المتخلف يحس بالغربة في بلده، يحس بأنه لا يملك شيئًا، حتى المرافق العامة يحس أنها ملك للسلطة، وليست مسألة تسهيلات حياتية له هو. ذلك أن الهوة كبيرة جدًا بينه وبينها وأن ما يستحقه من خدمات وتقديرات تُقدم له (إذا قدمت) كمنّة أو فضل، لا كواجب مستحق له. عندما يخرّب المرافق العامة فهو يعبر عن عدوانيته تجاه المتسلط”.

 

بالعودة إلى السؤال الأصلي عن تحولنا دون دراية إلى دواعش وظهور الصفات الحيوانية على تصرفاتنا البدائية، فإن الإجابة الوحيدة عن “لماذا” – والإجابة من محتوى الكتاب – هو فشلنا في تحقيق ذاتنا وتبع ذلك فشل الثورة المصرية وحلم التغيير، وبالتالي انهيار القيمة الوحيدة التي كانت تعطي للشباب المصري إحساسا بالأهمية وقدرًا من الاهتمام. في السنوات الأربع الأخيرة فإن أغلب حديثنا أصبح عن الاعتراف بالأخطاء، ونقد الذات بشكل عنيف فجرَّ هذا عدوانية شديدة غير مبررة، ازدادت وطأتها بشكل تدريجي دفع شباب الثورة إلى تحطيم الذات وتصريف تلك العدوانية في الإسقاط على الآخرين.

في أثناء كتابة هذا المقال ظهر فيديو على موقع اليوتيوب لشباب مصريين يعذبون كلبًا في شارع الهرم بالقاهرة. قدرٌ ضخمٌ من السادية ظهر في مقطع الفيديو دفع أغلب الشباب إلى إغلاق الفيديو قبل نهايته، والاستفسار عما سيحدث لو أن الشباب قتلوا الكلب دون عذاب، في هبوط مرعب لمنحنى الإنسانية وارتفاع غير اعتيادي في قبول المجتمع للعنف بصوره الأقل، البحث عن القتل دون عذاب، الموت دون ألم!

بشكل لا إرادي – وبسبب ما عايشناه – نمتلك في داخلنا نموذجًا للإنسان الداعشي، وتصرفاتنا ستتصاعد تدريجيًا حتى نصل إلى ما وصل إليه 21 شابًا كانوا مثلنا في يوم من الأيام إلى أن نحروا المصريين بلا تردد. بمراقبة بسيطة فإن أغلب شباب الثورة لا يمانعون في الفتك بضباط الداخلية بأي شكل حتى إن كان الفتك على الطريقة الداعشية. قبل بث فيديو ذبح المصريين؛ فإن جماعة أنصار بيت المقدس نشرت مقطع فيديو لاختطاف أيمن عبد الرحيم، وهو ضابط مصري يعمل في سيناء، ومن ثم إعدامه بثلاث رصاصات في الرأس، لم يلق الفيديو نفس مقدار التعاطف من أغلب شباب الثورة الذين عايشوا قذارة الداخلية، رغم أن الضابط ربما تعرض لمحاولات تعذيب بشعة، ورغم أنه لحظة اختطافه كان يصرخ بأنه ينتظر طفلاً سيولد دون أن يرى أباه.

في حديث قصير مع أحد شباب الثورة، وأحد رفاق الميدان في الليالي الدامية؛ فإن اعتراضه كان على أن ما حدث كان من أجل شخصيات المذبوحين، عمال مصريون لا ذنب لهم، لكنه أيد أن تُستخدَم تلك الوسائل مع المذنبين في حق الثورات وقاتلي المدنيين العزل، واستشهد بما حدث في مجرزة فض ميدان رابعة العدوية. المقلق أنه كان صادقًا فعلاً في حديثه ومتيقنًا بأن الضباط المسئولين عن الفض لو نُحروا لما كانت هناك مشكلة!

قبل أن نذبح أنفسنا في الشوارع ونكرر تجربة الحرب الأهلية اللبنانية، بقي لنا أن ندرك أن مقاتلي الدولة الإسلامية خرجوا من رحم القهر الأمريكي في العراق وجحيم الثورة السورية، وتدريجيا فإن مقاتلين مصريين لم يؤمنوا بالفكر الجهادي طيلة حياتهم انضموا إلى تنظيم الدولة، ربما هم في احتياج لنصر زائف بدلاً من هزائم متتالية عاشها هذا الجيل منذ ولادته.
رحم الله المصريين وأسكنهم فسيح جناته، ولعن قاتليهم في كل مكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد