من طبيعة الإنسان منذ الأزل تعلقه بالأساطير، سواء كانت مثل تلك المتعلقة بالآلهة التي تتصارع في السماء وعلى الأرض، أو بهؤلاء الأبطال الخارقين المنقذين للعالم، أو رجل الدين الذي يتبارك الناس بما يخرج منه من نجس، أو ذلك الذي يحادث الجن فيهم فيموت من تلبَّسهم رعبًا.

تلك الأساطير التي تغيرت بطريقة متناسبة مع تطور الحياة والإنسان، فتغيرت المحكيـَّات والتفاصيل دون تغير الفكرة الأصلية، فحكاية شمشون لا تختلف كثيرًا عن حكاية قائد القوات البحرية الأمريكية الذي تم أسره على سواحل الإسكندرية، وحكاية الملائكة التي نزلت اعتصام مؤيدي الشرعية لا تختلف كثيرًا عن حكاية القسيس الذي ضربه الشيطان على وجهه فأدار له وجهه الآخر فاحترق.

بيد أن الناس تميل إلى تصديق ما يطرأ من حكايات إذا كانت تدعم فكرة يؤمنون بها، أو يُحبون أن يصدقوها، فكم من المسيحيين الذين يهزأون ببعض كلام الشيوخ لما فيه من شطط، بينما يصدقون قساوستهم عندما يقولون العجب، والعكس صحيح تمامًا، وكم من مؤيدي الشرعية من يهزأون بكلام مؤيدي الحكم العسكري من كثرة خبله، بينما لو شدوا الخط بطوله سيجدون أنهم يرددون مثل قولهم أو فعلوا من قبل.

في هذه السلسلة من المقالات سأحاول نقض تلك الأساطير أسطورة أسطورة، كما ينقض أحدهم غزلا اعتاد الناس على الاحتفاظ به مُعلقًا في موروثاتهم وجلساتهم الخاصة، لكن إذا ما تجرأ أحدهم وشد طرفه، انفك بليونة ويُسر أمام أعين الناس وإن تعاموا عنه.

بعض تلك الأساطير التي سأسعى إلى نقضها لا يمكن أن تكون إلا أسطورة خيالية تصديقها نوعٌ من أنواع الخَدَر، بينما بعضها يخضع لوجهة نظري خاصة تلك المتعلقة بالدين وعلاقته بالحياة والغيب.

ومنها ما هو متعلق بحدث مُحدد، ومنها ما هو متعلق بفكرة.

التابوهات يجب أن تكون متحركة، وإلا صار كسرها تابوهًا جديدًا دون أن ندري، فمثلًا عن الحب قبل الزواج، مع الوقت وكثرة الترديد أصبح هناك شكلًا مُعينًا تبحث عنه المرأة أو الشاب ليتزوجا، وإن لم يجدا ذلك الشكل المُحدد عزفا عن الزواج أو تزوجا مُكرهين تحت ضغط «سنة الحياة».

في الأصل الحب قبل الزواج هو كسر لتابوه ما يُعرف بالزواج التقليدي، لكن أثناء الدعوة لكسره لم ينتبه الناس أن كسره أصبح تابوهًا في حد ذاته، فلم يعد مثلا الاستلطاف أمرًا كافيًا للزواج في بعض الأحيان، ولا الراحة النفسية، ولا الظروف المجتمعية، بل الُحب الملتهب الذي قد يكون أحيانًا جذوة مشتعلة لا يستمر اشتعالها إلا وقتًا طال أو قصر، والأمثلة على كلا الأمرين كثيرة.

أنا لا أدعو هنا للزواج التقليدي، بل إلى عدم خلق تابوه جديد قد يكون في بعض الأحيان عبئًا نفسيًّا على الفتاة أو الشاب المقبلين على الزواج، بينما في الحقيقة علاقات ما قبل الزواج بدون مسؤوليات أو بمسؤوليات محدودة تختلف بشكل شبه كُلي عن علاقات ما بعد الزواج بمسؤولياته، وتلك العلاقات الرسمية أكبر وأشمل كثيرًا من تحديدها بتابوه مُعين مهما كان، بل تختلف من شخص إلى شخص ومن مجتمع إلى آخر.

هنا أردت أن أشير أن في أحيان كثيرة ومع المحاولات الدؤوبة لكسر تابوه أو أسطورة، نخلق تابوهًا جديدًا أو أسطورة جديدة، وهذا الأمر له أمثلة عدة.

وأنا ضد التابوهات والأساطير عمومًا، حتى تلك التي تتوافق مع هوى نفسي، فالقواعد المُلزمة في الحياة قليلة، ونتائج الأشياء مُتغيرة.

في المقال الأول أتحدث عن الجنس والرأسمالية.. في حديث قد يمتد للدين والسياسة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك