الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

منذ فترة ظهرت في تونس قضية المساواة بين ميراث الذكر والأنثى، وأن هذا سيجري بشكل قانوني، وهذا يدخل في إطار التوجه العلماني للرئيس الحالي لتونس الباجي قايد السبسي، والذي لا شك فيه أن هذا تعدٍ صريح على أحكام الميراث القطعية، التي جاءت من خلال نصوص صريحة لا تحتمل أكثر من فهم.

المخالفة لحكم شرعي قطعي هو أمر جلل، ولكن الرؤية المتجزئة للمشكلة تضر كثيرًا في سعي الإنسان لفهمها والعمل على معالجتها، نعم يكون الاستنفار لتعدٍ على حدود الله أمرًا مطلوبًا، ولكن يجب أن يكون ضمن أمر أكبر، فبقدر ما تجب مقاومة التعدي على حكم شرعي كالميراث، يجب فهم لماذا حدث هذا، وما خلفيته وما حدود هذا التصور الكلي الذي كان من متطلباته هذا التعدي على أحكام الميراث.

صحبت هذه الأحداث إثارة مسائل فكرية متعلقة بأحكام الميراث، ربما لم يطّلع عليها الكثير من الناس، ولكنني آثرت نقاشها في السطور التالية لقِدمها أولًا، ثم لأنها قد تكون سببًا في ترسيخ مفاهيم مغلوطة سواءً في ثنايا الطرح نفسه، أم في نتائجه، وكذلك في طريقة تحليل الأمور سواءً كانت الأحكام الشرعية أم غيرها، وعلى الرغم من أن أحد الذين طرحوا أحد هذه المسائل اتهم الفقهاء ضمنيًّا بالتقصير في النظر لواقع المجتمع بناءً على تصور عنده هو بالأساس غير صحيح، كما سنحاول قدر الإمكان تجنب الحديث عن ضرورة احترام التخصص؛ لأن الكثير للأسف يرى هذا نوعًا من التغول على حق الناس في التفكر والتدبر.

من المعروف أن أحد رسائل الإسلام السامية هي إصلاح المجتمعات، وهذا ما أعد بشكل أو بآخر أحد المقاصد التي يجري من خلالها استنباط الأحكام الفقهية، ولكن هذا المقصد الكلي يمكن أن يكون متعدد المسارات، الأمر الذي ينعكس على شكل الممارسة الفقهية، فلو نظرنا إلى قضية المجتمع وإصلاحه بشكل مجرد، سنجد أن هذه قضية كلية تتفرع منها عدة قضايا، مثل الأسرة، والتكافل، والآداب العامة، والمعاملات وغيرها، وكل مسار من هذه المسارات يجب التعامل معه تعاملًا مستقلًا، مع العلم أن الغاية في النهاية هي خدمة القضية الكلية، ربما حدثت تقاطعات بين هذه المسارات في لحظات بعينها، ولكن هذا لا يتعارض مع مطلب استقلالية كل مسار على حدة.

بناءً على ما سبق صممت الأُطر العامة للممارسة الفقهية، وتناولت كل قضية بحسب السياق الذي يناسبها، ولو أسقطنا ذلك على قضية المواريث سنجد أن ما زعمه الكثيرون بأن أحكام الميراث التي فصلت في القرآن الكريم لا تراعي حالة المرأة المعاصرة التي تعول الأسرة وحدها لا علاقة له أصلًا بقضية الميراث بالكلية، فضلًا عن مراعاة الأحكام لما زعموه هؤلاء، فقضية الميراث هي بالأساس لا تعنى بمسار التكافل بين الناس حتى تراعي تفاوت الحوجة المادية، بل تعنى بمسار الأسرة والحالة الخلافية أو الصدامية التي تقع في معرض تقسيم الورثة، فكل فرد من أفراد الأسرة قد يكون له مسوغ ليحصل على قدر كبير من ميراث الميت، ولذلك كانت الضرورة لمنظومة خارجة عن الاعتبارات الفردية لا تنظر إلا إلى قرابة الوارث إلى الميت، فكان الوارث لا يخرج عن واحد من ثلاث: أصحاب الفروض، أو العصب، أو ذوي الأرحام.

زعم من زعم عن عدم مراعاة أحكام الميراث لحالة المرأة المعاصرة، هي في الحقيقة امتداد لما كان يزعمه آخرون بأن أحكام الميراث بالكلية مجحفة في حق المرأة وظالمة لها، استدلالًا بآية: «للذكر مثل حظ الأنثيين..» وقد انحسرت هذه الدعوى لحد كبير عن الظهور بعدما ظهر تعدد حالات مساواة نصيب الأنثى بالذكر، وحتى علو نصيب الأنثى من أحكام الميراث ذاتها، فإذا كان الأمر كذلك سيكون الحديث عن مراعاة حالة المرأة التي تعول الأسرة تغريدًا خارج السرب؛ لأنه حديث مبني على فرضية أن علو نصيب الذكر على الأنثى هو لبنة أساسية بنيت أحكام الميراث عليها.

كذلك المشكلة في هذا الادعاء أنه لا يراعي حتى طبيعة المشكلة التي يطالب بحلها عن طريق إعادة النظر في أحكام الميراث، فمشكلة المرأة التي تعول الأسرة مشكلة تتطلب حلًّا إجرائيًّا مستدامًا؛ فالإعالة تعني التكفل بمتطلبات الإعاشة للأبناء في السكن، والمأكل، والصحة، والتعليم، حتى يشتد عود كل واحد منهم، وهذا أمر يحدث خلال عقود من الزمان، والتعامل معه لا يكون بتخصيص نصيب من الورثة أو حتى انتظار الشخص حتى يموت، وهذا كله أمر لا يمكن استيعابه في قضية الميراث بالأساس، حتى لو أردنا لأحكام الميراث أن تراعيه.

جسّد هذا الادعاء شكلًا من أشكال الخلط بين الأصل والاستثناء والمساواة بين مقام كل واحد، وهذا بخلاف ما قرره السابقون والمعاصرون من أن الاستثناء يؤكد القاعدة ولا يأخذ حكمًا مستقلًا عن الحكم الأصلي، فضلًا عن مراجعة الحكم الأصلي نفسه بسببه، فلو أخذنا الصلاة على سبيل المثال نجد أن الأصل هو أن أداء الصلاة يكون بالوقوف، ويُستثنى من لديه حالة مَرَضية فيجوز له الصلاة قاعدًا أو راقدًا أو غيرها، هذا لا يؤثر على الحكم الأصلي، ولا يجعل الحالة الاستثنائية بأصالة حكم الوقوف نفسه، بالعودة إلى قضية الميراث، ولو جاز لنا مراعاة حالة المرأة المعاصرة التي تعول الأسرة في أحكام الميراث، فسيكون ذلك في إطار الحالة الاستثنائية؛ لأن الأصل هو أن الرجل هو الذي يعول، وهذا هو الذي تطبّعت به المجتمعات المسلمة، وهذا لا يستدعي أي نوع من المراجعات للأحكام الأصلية.

هذا الخلل في فهم المقاصدية في الإسلام كان سببًا في نوع من الممارسة العبثية في التنظير في الأحكام الفقهية، والدعوة إلى مراجعتها، والمطالبة بمراجعة ما يُعرف بالخطاب الديني، وللأسف الشديد استنادًا إلى هذا الفهم المغلوط يوصف الكثير من المشايخ بالتقليديين والجمود، وعدم الانفتاح على الواقع ومعالمه، لا أقول هذا من باب الرفض المبدئي لوصفهم بهذا، ولكن النقد بهذا المستند ليس من الإنصاف بحال.

ربما لم يدرك أولئك الذين يطالبون بمراجعة الأحكام الفقهية في ظل حيثيات كحالة المرأة المعاصرة وغيرها، أن كمال رسالة الإسلام يكون بكمال التأسيس الفقهي بحسب السياق ذي الصلة، مع الأخذ في الاعتبار الجانب الروحي، وخطاب تزكية النفوس، والحث على البر والإحسان، والحقيقة أن هذا هو لب رسالة الإسلام، والأحكام الفقهية هي التقنين لرسم ملامح التنفيذ لما جاء في هذا الخطاب، فلو تجاهلنا فكرة أن في التشريع إلزام للرجل زوجًا كان، أو أبًا، أو أخًا، أو أحد ذوي القربى برعاية هذه المرأة وأبنائها؛ فالخطاب التكافلي العام يكفي داعيًا للقيام بذلك، فالصحابي الذي تبرع ببستانه بكل ما فيه من ثمار، وأبو بكر الذي دفع كل ماله، وعمر الذي دفع نصف ماله، وعثمان الذي جهز وحده جيش العسرة، لم يفعل أي منهم ما فعل التزامًا مجردًا بحكم فقهي بعينه، وإنما هي هذه الروح التكافلية التي خاطبها القرآن الكريم وخاطبتها السنة النبوية المطهرة بالأساس.

لا شك أن الدين لم ينزل عبثًا، وإنما له مقاصد، وأن الأحكام الفقهية تسعى بالأساس لتحقيق هذه المقاصد، ولكن نحتاج بشدة لأن نفهم أن الله تعالى هو الأعلم بهذه المقاصد، وهو الأدرى بما هو في صالحنا وما هو ليس كذلك فهو يقول: «وَاللَّـهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» ﴿البقرة: 216﴾ ويقول: «قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّـهُ» ﴿البقرة: 140﴾ وغيرها الكثير من الآيات التي تدل على كمال إطلاع الله بمصالح البشر، ولهذا كان الوجوب الفوري بالتسليم للحكم الصريح من القرآن والسنة؛ النبوية لأن صاحب الوحي يعلم أكثر مما نعلم، ولكن الغلو في النظر المقاصدي حول الوحي إلى مجرد نص يعيق المسيرة الإصلاحية «أو ما نظن أنه مسيرة إصلاحية» أكثر من كونه هدى ومرشدًا للناس لتحقيق هذا الإصلاح، ولذلك لا عجب إذا رأينا مقولة كارثية كمقولة: ليس على النص مسؤولية إصلاح الواقع، وإنما على الواقع أن يبحث بنفسه عن حل لمشكلة النص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رأي, فكر, مجتمع
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد