«لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» الطّلاق -11

«لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ»

ليخرج الذين آمنوا وليس الذين كفروا، بمعنى أنّ الإيمان وحده لا يجعلُ صاحبه خارج الظُّلمات، ولا حتى عملُ الصالحات، فالصَّلاة والزّكاة والصوم والحج والصَّدقات وفعل الخير ومساعدةِ المُحتاجين وسائِر الأعمال الصَّالحة، يمكن أن تصبح روتينًا إذا لم يصاحبها تحرُّك المشاعر، وخشوع الجوارح، فالمرء الذي لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر في ظلمات، والذي لم ينهه صومُه عن لغوِ الكلام وأكلِ لحومِ النّاس في ظلمات، والذي حجّ حجّةً خامسة وسادسة وسابعة.. ولم تتغير أخلاقُه فهو في ظلمات، والذي لم يعلّمه إنفاقه أنَّ الله هو المعطي وهو الرزّاق يرزق من يشاء بغير ِحساب، فهو في ظلمات، والذي يقُوم الليل، وجوارجه نائمة ومشاعرُه مَزهوّة بقيامه فهو في ظُلمات، والذي يفعل الخير ليظهر في الصُّورة ويقال عنه، فهو في ظلمات، والذي يحبُّ أن يُشار إليه بالبنان فهو في ظُلمات، والذي يحبّ التصدُّر والرياسة فهو في ظلمات، والذي يرى نفسه أفضل من غيره ويمنّ عليهم فهو في ظُلمات.

وهذا الرُّوتين الذي يجعل صاحبه في الظُّلمات يصيب حتى الدّعاة، فهناك من يعتزُّ بكونه داعية إلى الله لـ10 سنواتٍ أو 20 أو 30 سنة، ولكنّ أخلاقه بعيدة عن أخلاق الرّسول – صلى الله عليه وسلم – وسلوكه لا يدلّ على أنّه يعي ما يفعله تمامًا، ويظنّ أنه بمجرد انتسابه إلى الدعوة فهو على بيناتٍ من ربه في كلِّ أفعاله.

ومن الظُّلمات أن تجد حياة الداعية لا تختلف عن غير الداعية سواءً من ناحية التفكير أو اللَّهث وراء الدنيا، أو طريقة العيش، وطريقة تربية الأولاد.

وهناك من إذا خَاطَبْته، أو ناقشته سارعَ إلى وضع حاجزٍ بينك وبينه، طبعًا لأنه أقدم منك في الدعوة إلى اللَّه ولأنه أعلم منك، ويكأن اللّه اختصَّه بكامِل الهداية دون سائر الخلق!

والظُّلمات عديدة وكثيرة، منها الجهل، الرّياء، العجب، الكِبْر، الغرور، الحِقد، الحسد.. وأخطرها في نظري الغفلة، فالغفلة هي التي تجعلُك تنسى أنّك عبدٌ لله وأنّك دائم الحاجة لهدايته، والغفلة هي الطريق الممهَّد لغالِب الظُّلمات، فالغفلة تجعل الإنسان يظن أنّه يُحسن صنعًا، بينما هو في الحقيقة ضالٌ في الدنيا «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا».

لا إله إلى الله «المظلومة»

ومن الظُّلمات أن يصبح لفظ التوحيد (لا إله إلا الله) خالٍ من أيّ معنى، وكأنّه شعار على الألسن فقط، فبعد أن كانت (لا إله… إلا الله) تعني نبذ الأوثان وحصر شعائر العبادة بشكلٍ مطلق للّه الواحد القهار، أصبحَت لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فالكثير من (الذين آمنوا) صاروا يُشرِكون أوثانا مع الله عزوجل، بعلمٍ أو بغير علم، فالكثير لسان حاله يقول: (لا إله إلا.. كرة القدم)، بحيث يفضّل مباراة كرة قدم على إقامة الصلاة المفروضة، التي لم يسقطها الله سبحانه وتعالى حتى في حالة الحرب والخوف!

وهناك من لسان حاله يقول: (لا إله.. إلا المال) بحيث أصبح عبداً للمادة وهي تسيِّره وتتحكَّم فيه، عوض أن يسيرِّها هو، وهناك من لسان حاله يقول: (لا إله إلا.. الشهرة) فهو يعبد الأضواء وحبّ الظهور، وحبّ المَكانة المرمُوقة في المجتمع، وهناك من لسان حالِها يقول: (لا إله .. إلا التسوُّق).

وهناك من يختلط عليه الأمر فيدعو الناس إلى التنظيم بدل دعوته إلى اللَّه، فيكون بذلك قد اتّخذ التنظيم آنئذٍ وثنا يُعبَد من دون الله الواحد القهار، فالأصل هو الدعوة إلى الله ووسيلة العمل هي التَّنظيم، وليس العَكس.

ولا يستوي في ميزان الله من يقرِّب الناس من اللَّه ويعرِّفهم بجمالِه وجلاله، ومن ينفِّرهم عنه ويجهِّلهم بقدره، وهو بذلك يظن أنَّه يحسن صنعًا.

«إِلَى النُّورِ»

جاءت كلمة النور مُفردة، فهي تدلُّ على الحقّ والحقّ لا يكون متعدِّدا، والنُّور هو البصيرة التي يعطيها الله سبحانه إلى عبادِه الصادقين الأتقياء الأنقياء، وتلك هي منزلة الربانية، ودرجة اليقين، بحيث يُصبح يرى ما لا يراه الناس! ويسمع ما لا يسمعه الناس! وتصبح حواسه مندمجة مع عالم الغيب، تأمل الآية التالية:

«وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) فالذي لا يتعرّض لنُور الله فهو أعمَى في الظلمات، كأنَّه ميِّت بالمفهوم الرباني.

والقرآن هو النُّور الذي يمنح البصيرة «يهدي الله لنوره من يشاء»، فمن يتلقَّى القرآن بقلبٍ خاشع نقي، يُخرجه من الظُّلمات إلى النور، فكون القرآن (وحيًا) لا يعني أنّ عمله انتهى بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، فصِلة القرآن بالسَّماء هي صلةٌ أبدية، وبما أنَّ كلماته هي من عند الله المُطلق القُدرة، فمَعانيها لا تنْفَذ، وكلَّما دخلتَ عليه أنارك بالبصائر «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ».

فقد انقطع فعلُ التنزيل الذي كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بقي الوحي، وبقيت الروح!

إنَّ تلقِّي القرآن بوصفِه (وحيًا) هو المفتاح الأساس لاكتشاف كنوزه الروحية، والتخلُّق بحقائِقه العُظمى! النُّور.. تلك هي طبيعة القرآن وصبغته، وصفته الثابتة، حقيقة جوهرية لا تنفكُّ عنه، والنُّور روحٌ يسري في كلمات القرآن بخفاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد