لقيت جبران خليل جبران بمثل شعور الصاحب الذي غاب عن صاحبه سنوات طويلة، فقد كنت سعيدًا لرؤيته، مشتاقًا لسماع أحاديثه المحلقة في سماوات الروح والوجدان غير أني عرفت منه أشياء وأنكرت منه أخرى، كما ينكر الناس أحيانًا من بعض أصحابهم تصرفات وبدوات طرأت عليهم بعد طول غياب، ولأن جبران هو جبران الذي كنت أقرؤه قبل سنوات، فلا بد أن يكون شخصًا آخر غيره قد تغير!

كانت اللُقيا في «البدائع والطرائف»، وهو كتاب صغير الحجم، مجموع فيه عدة مقالات متنوعة، فيها الخواطر التي تشبه التغريدات، وفيها المقالات الأدبية والقصص القصيرة، وفيها الأشعار، وفيها التأملات العميقة في الحياة، وفيها الآراء الاجتماعية اللطيفة، وفيها تقريظ لفلاسفة وشعراء ومتصوفين، حقًا هو كتاب ماتع لا يُمل لثرائه وشموله كأن جبران يريد أن يتحدث فيه عن كل شيء بأبلغ المعاني وأقل قدر من الكلام.

كان اللقاء سريعًا، خاطفًا، على غير موعد، أحسست كأني ألقى صاحبًا قديمًا في مطار وليس لنا إلا عشر دقائق نتحدث فيها معًا، نفرح بسرعة ونضحك بسرعة، ثم نلملم بعضنا ويمضي كل منا لرحلته.

قلت لجبران:

– ألم تقل في بدائعك وطرائفك أن نفسك مثقلة بأثمارها، وأنك تفتش عن أحد يقطف من غصونها الفينانة لترتاح من أثقال تلك الأثمار؟

– بلى قد قلت إن «نفسي بأثمارها؛ فهل من جائع يجني ويأكل ويشبع؟ أليس بين الناس من رؤوف يفطر على نتاجي ويُريحني من أعباء خصبي، أليس بني الناس من صائم رؤوف يفطر على نتاجي ويريحني من أعباء خصبي وغزارتي؟… نفسي طافحة من خمرة الدهور؛ فهل من ظامئ يسكب ويشرب ويرتوي».

– ها أنذا أروي من خمرتك ولا أرتوي، وأقطف من أثمارك أغلاها، ومن كلماتك أجملها وأحلاها، ولا يزال الناس يقطفون منك فلا هم يشبعون ولا ثمارك تنفد.

-أشكر لك اهتمامك ولطفك.

-إنني يا جبران لم أخف دهشتي وأنا أقرأ بدائعك من صورة ارتسمت لك في ذهني لم أكن رأيتها من قبل في قراءاتي السابقة، حقًا إن الإنسان ليعمى عن كل شيء لا يهمه، ويركز كعدسة الكاميرا فيما يشد خياله ويطغى عليه، وكأني بالإنسان تتسع نطاقات تركيزه مع الأيام والتجارب، ويتعود ذهنه على الإحاطة بكل شيء يقع في مدخوله أن يعرفه، وأنا كنت أركز في الجانب الرومانسي منك ولا أعير انتباهي لما تقول إلا إذا بسطت آراءك الرومانسية، فحينئذ أجدني منجذبًا إلى ما تقول، مهتمًا به اهتمامًا شديدًا، وقد يكون ذلك هو الذي صرفني عن الانتباه إلى نزعة التفلسف التي تلوح في ثنايا السطور.

-أظنها أوضح من تختبئ، فإني نزاع إلى التفلسف ورؤية الجزئيات بمنظور الكل الذي تنتظم فيه شظايا الأشياء في عقد من المنطق يكون على نسق واحد مفهوم.

-لا يا جبران، فهي غير واضحة ويجب أن تكون كذلك، وهي على كل حال موجودة.

-ولمَ يجب ألا تكون واضحة؟

-لأنك يا جبران شاعر أديب، ولست فيلسوفًا، فالأدباء ينزعون إلى تجسيد الأفكار في لباس من المعاني المحسوسة على هيئة رواية أو قصيدة أو غيرها من سائر ضروب الفن العديدة. وأما الفلاسفة، فهم ينزعون بفطرتهم إلى تجريد المعاني المحسوسة إلى أفكار مجردة، أفكار يابسة كأدمغتهم!

-جميل، أظنك لم تجانب الصواب.

سكتنا قليلًا ثم بدد جبران الصمت بصوت رخيم:

-لقد ذكرت أن صورة لي ارتسمت في ذهنك لم تكن رأيتها من قبل، وها أنت ذكرت نزعتي إلى التفلسف، وماذا أيضًا؟

-غيرتك على العرب واللغة العربية، وانتقادك للحضارة الغربية.

-نعم، إني أغار على هويتي ولم أذب تمامًا في الغرب على الرغم من عيشي بأمريكا سنوات طويلة.

-لشد ما أعحبني كلامك في ذلك الأديب.

-وأي أديب تقصد؟

-اقصد ذلك الأديب الذي ذكرته في الكتاب حين قلت إنك «قرأت منذ أمد غير بعيد مقالًا لأديب قام يعترض ويحتج فيه على ربان وموظفي باخرة فرنسية أقلَّته من سورية إلى مصر؛ ذلك لأن هؤلاء قد أجبروه، أو حاولوا إجباره على خلع طربوشه في أثناء جلوسه إلى مائدة الطعام، ولقد أعجبني هذا الاحتجاج؛ لأنه أبان لي تمسك الشرقي برمز من رموز حياته الخاصة، ولكن إعجابي هذا لا ولن يمحو ما وراءه من الحقائق الخشنة، لو فكر ذلك الأديب بأن ذلك الطربوش الشريف قد صنع في معمل إفرنجي، لهان عليه خلعه في أي مكان في أية باخرة إفرنجية، لو فكر صاحبنا بأن الأمة المستعبدة بروحها وعقليتها لا تستطيع أن تكون حرة بملابسها وعاداتها.»، أعحبني يا جبران مدافعتك عن الشرق ونعيك على المنبهرين بالغرب وقد لاحظت استعمالك كلمة «الشرقيين» بدل كلمة «العرب».

-هذا المصطلح كان شائعًا في ذلك الوقت في كتابات الأدباء العرب، وهو مرادف للفظة «العرب»

-وكأنكم أردتم أن تعبروا عن أنفسكم بإزاء «الغرب» فقلتم «شرق»، ويبدو أن كلمة «العرب» لم تستعمل إزاء «الغرب» إلا بعد تنامي الشعور القومي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.

-لم أعش في ذلك الزمن، فلا تعليق.

-على ذكر العرب، لقد ضحكت يوم قرأت رأيك في اللغة العربية.

-رفع رأسه الذي كان محنيًا على الطاولة وارتسمت ابتسامة جميلة على وجهه الكئيب.

-أتقصد حين أجبت عن سؤال «ما مستقبل اللغة العربية»؟

– نعم

-وما المضحك في ذلك، لم أقل سوى أن «اﻟﻠﻐﺔ ﻣﻈﻬﺮ ﻣﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ الابتكار في ﻣﺠﻤﻮع اﻷﻣﺔ، أو ذاﺗﻬﺎ اﻟﻌﺎﻣﺔ، ﻓﺈذا ﻫﺠﻌﺖ ﻗﻮة اﻻﺑﺘﻜﺎر ﺗﻮﻗﻔﺖ اﻟﻠﻐﺔ ﻋﻦ ﻣﺴيرﻫﺎ، وفي اﻟﻮﻗﻮف اﻟﺘﻘﻬﻘﺮ، وفي اﻟﺘﻘﻬﻘﺮ الموت واﻻﻧﺪﺛﺎر. إذًا فمستقبل اللغة العربية يتوقف على مستقبل الفكر المبدع الكائن- أو غير الكائن- في مجموع اﻷﻣﻢ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻜﻠﻢ اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﻓﺈن ﻛﺎن ذﻟﻚ اﻟﻔﻜﺮ ﻣﻮﺟﻮدًا ﻛان مستقبل اللغة عظيما ً كماضيها، وإن ﻛﺎن ﻏير ﻣﻮﺟﻮد ﻓﻤﺴﺘﻘﺒﻠﻬﺎ ﺳﻴﻜﻮن كحاضر ﺷﻘﻴﻘﺘﻬﺎ السريانية والعبرانية.»

قلت له مبتسمًا:

-ما حسبتك يا جبران تتقن المراوغة فهي من صفات الساسة لا الشعراء، لذلك ضحكت.

-وعلام المرواغة؟

– إجابتك ياسيدي! فهي ممتلئة بالكلام الفخم الرائق، ولكن كلمة «لا أدري» تغني عن ما زخرفت من كلام أو قل هي تغني عن ذلك الترهل الكلامي.

-اعلم يا صاح أن كلماتي في العادة تأتي كالغادة الهيفاء مزينة بأجمل المعاني وأسماها.

قلت بصوت واثق:

-على ذكر الغادة الهيفاء، لعمري لقد راقتني تلك الجمل الهيفاء البليغة كأنما هي تغريدات.

-إن كلامي كله ينبعث كالتغاريد من بساتين روحي!

-لا ، أقصد تغريدات تويترية! فمقالك «حفنة من رمال الشاطئ» ممتلئ بالجمل القصيرة الرائعة.

-هلا تفضلت علي بمثال على ما تقول؟

-أجل، إليك باقة من خمائل كلامك تروع لحسنها وتبهر:

«الجميل يأسرنا، أما الأجمل فيعتقنا حتى ومن ذاته.»

«ألا فأبعدوني عن الحكمة التي لا تبكي، وعن الفلسفة التي لا تضحك، وعن العظمة التي لا تحني رأسها أمام الأطفال.»

«الحب سعادة ترتعش»

«قد يكون في استصعابنا الأمر أسهل السبل إليه».

ابتسم جبران، وزم شفتيه، وشرع يحدق في الأرض سابحًا في خيالاته سعيدًا أن كتاباته لا تزال اليوم شريعة يشرب منها الناس ويرتوون.

-كم استغربت حين قرأت مقالك «لكم لبنانكم ولي لبناني» فكنت أظن أن المشكلات الطائفية وليدة اليوم، ولكنها يبدو من مقالك أن جذروها ضاربة في القدم.

-لا تحدثني عن لبنانكم، فإني لا أعيره اهتمامًا.

-وي! وما يسترعي اهتمامك إذن؟

-يا صاح، «لكم لبنانكم ولي لبناني، لكم لبنانكم ومعضلاته، ولي لبناني وجماله، لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض والمنازع، ولي لبناني بما فيه من الأحلام والأماني».

تغضن وجه جبران من هذا الموضوع، فقلت له:

-فلنطرق حديثًا غير السياسة، لقد انتصرت في كتابك للغزالي على أوغسطين، وقلت «وجدت الغزالي أقرب إلى جواهر الأمور وأسرارها من القديس أوغسطينوس، وقد يكون سبب ذلك في الفرق الكائن بين ما ورثه الأول من النظريات العلمية العربية واليونانية التي تقدمت زمانه، وما ورثه الثاني من علم اللاهوت الذي كان يشغل آباء الكنيسة في القرني الثاني والثالث للمسيح».

-وما الغريب في قولي؟ بل الغريب لو قلت خلاف ذلك!

-لا، ليس مستغربًا منك ذلك يا جبران، لأنها حقيقة ولطالما كنت أنت بالحقائق كلفًا، لا يميلك عنها هوى أو أي نوع من تحيز الانتماءات، ولكن أردت أن أعرف سر إعجابك به.

-يعجبني فيه أمور عديدة، منها أنه «اعتزل -أي الغزالي- الدنيا وما كان له فيها من الرخاء والمقام الرفيع، وانفرد وحده متصوفًا، متوغلًا في البحث عن تلك الخيوط الدقيقة التي تصل أواخر العلم بأوائل الدين، متعمقًا في التفتيش عن ذلك الإناء الخفي الذي تمتزج فيه مدارك الناس واختباراتهم بعواطف الناس وأحلامهم».

-إني متشوق للشعر يا جبران، فلنعج عليه الساعة.

-حديث الشعر لا يمل، فلنعج عليه كعوج امرئ القيس حين قال لصاحبيه:

عوجًا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن خذام.

وهذا يا صاح دليل من امرئ القيس نفسه يبين مدى تهافت قول من قال إنه أول من بكى على الأطلال.

– دعنا من امرئ القيس الآن، ولنعد إلى الحديث عن كتابك، لقد أبديت إعجابًا عظيمًا بقصيدة «النفس» الفلسفية للشيخ الرئيس ابن سينا التي يقول في مطلعها:

– هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّـــعِ

فإني بشوق لأن أعرف السر وراء هذا الإعجاب الكبير.

-لأنه وضع فيها «أبعد ما يُراود فكرة الإنسان، وأعمق ما يلازم خياله من الأماني التي تولدها المعرفة، والسؤالات التي يثمرها الرجاء، والنظريات التي لا تصدر إلا عن التفكر المستمر والتأملات الطويلة».

-وهل تستحق أن ترتفع بها مرتبة تعلو على كل مرتبة؟ إنك رفعتها إلى المرتبة العليا في الشعر، ثم عمدت إلى القصائد كلها فحشرتها في مرتبة دونها!

-نعم تستحق ذلك، ولم أغير رأيي فيها.

لشد ما أعجبتني القصائد التي ختمت بها بدائعك، وأخص بالإعجاب القصيدة التي تقول فيها:

سكوتـي إنشـاد وجوعـي تخـمـة

وفي عطشي ماء وفي صحوتي سكـر

وفي لوعتي عرس وفي غربتـي لفًـا

وفي باطني كشف وفي مظهري ستـر

وكـم أشتكـي همّـا وقلبـي مفاخـر

بهمّـي، وكـم أبكـي وثغـري يفتـر

وكـم أرتجـي خـلًا وخلّـي بجانبـي

وكم أبتغي أمرا وفي حوزتـي الأمـر

وقـد يثيـر الليـل البهيـم منازعـي

على بسط أحلامـي فيجمعهـا الفجـر

فإنها قصيدة خلابة، يتوه الفكر فيها وهو يحاول استيعاب المتناقضات التي تآلفت فيها، فهنيئًا لك هذه القصيدة.

-هذا من جميل ظنك ورقي ذائقتك.

تحدث جبران في هذا اللقاء الرائع بسرعة، وكنت أسمع كلامه، وأطيل السماع، فمرة أبتسم، ومرة أحزن، ومرة أضحك، ومرة أمتعض، ولا أملك على كل حال إلا أن أعجب بنزوعه الحثيث إلى ما وراء الظواهر المادية من معان مجردة، ووراء المعاني المجردة من ظواهر مادية، وغوصه العميق على أسرار الحياة، وهُيامه بالأشجار والأنهار والجبال والسهول والسماء والغيوم والنجوم، وهدوئه الجميل في التعبير عن خلجات روحه السامي، وانطوائه خلف ستر شفيف من الحياء والغموض يبصر من خلاله حقائق الحياة فينفذ إلى أعمق أسرارها.

إنه خير من يمثل الشخصية المسيحية بهدوئه الملهم، وتوجهه للحياة بانقطاعه عنها، وباتشاحه بشفوف من الغموض، وبينبوعه الزاخر بالمحبة، وبتأملاته النافذة في أسرار الحياة. حقًا إن كتاباته لترياق شافٍ لأدواء المادية التي تفشت في هذا الوقت.

طويت الكتاب بعد أن قضيت مع جبران سويعات هي من أغنى الأوقات وأجملها، إن النظر إلى الحياة من زاوية أخرى، أيا كانت، هي تجربة جمالية نستطيع بها أن نوسع مفهومنا للحياة، وهناك حيوات بعدد أفراد البشر، فكل شخص مهما صغر، هو نسخة فريدة من الحياة، ونظرته إليها مهما سمجت، هي نظرة فريدة، ومعرفتها والاحساس بها، يعني الاقتراب أكثر من فهم الحياة، فما بالك إذا كانت تلك الزاوية هي زاوية جبران، لا شك أنها منفرجة، واسعة، من يلق بنظره خلالها، يرى جزءًا عظيمًا من صورة الحياة الهائلة، ويستنشئ نفحة من نفحات الحقيقة الخالدة، وكفى بذلك من الكتاب فائدة وغنيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ادب, ثقافة, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد