على مدار الأيام الماضية كنت أسعى جاهدًا لحضور حفل ابن عربي، وابن عربي لمن لا يعلم هي فرقة إنشاد صوفي مغربية تتميز عن باقي فرق الإنشاد الصوفية الأخرى بأن لها طابعًا مميزًا يمكن أن تميزه ببساطة إذا ما بحثت على أغانيهم على موقع YouTube أو Sound cloud .

حاولت الفرقة أن ترضي جمهورها بشتى السبل، فقامت بتنظيم حفل في القاهرة على مسرح قصر النيل، وحفل آخر بعده بأيام في الإسكندرية، لكن المفاجأة بالنسبة لي كانت في نفاذ تذاكر حفلة يوم السبت بالكامل بعد طرحها بساعات قليلة!! وخلال حديثي مع أحد أصدقائي الذي تربطه علاقة مباشرة بمنظم الحفل قال لي إنه نظرًا للإقبال الشديد فإنهم قد قرروا تنظيم حفل آخر في يوم الأحد، لكن المفاجأة الأكبر كانت في نفاذ التذاكر للمرة الثانية عقب طرحها بساعات قليلة، عدت إلى صديقي مرة أخرى وأعربت له عن مدى إحباطي، فما كان منه إلا أن اتصل بمنظم الحفل الذي وعده بتوفير تذكرتين لي من ضمن التذاكر التي يتم توزيعها كدعاوى للأصدقاء و الـ VIPs.

ذهبت إلى الحفل فوجدت من بين الحضور المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، ومجموعة متنوعة من الحضور معظمها من الشباب، إضافة إلى مجموعة من الأعمار والطبقات المتفاوتة، فكريـًّا وثقافيـًّا واجتماعيـًّا، اتخذت مقعدي قبل الحفل بدقائق وبدأت أتجرع جرعات متتالية من الماء مقاومًا النعاس الذي جاءني بسبب سهري المتكرر والمزمن، إلى أن جاءت لحظة الصفر وبدأ الحفل.

بعد دقائق قليلة من بدء الحفل لاحظت أن الفرقة الموسيقية تعتمد قبل بدء كل أغنية أو مجموعة من الأغاني على ذكر جذور الأبيات الشعرية التي كتبت في حب الله والنبي وأهل البيت، وكذلك إلى جذور الكاتب، وهو ما أعطى للأمسية رونقـًا ثقافيًّا مختلفـًا، فعلى سبيل المثال تم ذكر بعض القصص التاريخية الرائعة مثل إسقاط فريضة الحج لمدة 80 سنة في بلاد المغرب بسبب مخاطر الطريق وقتها، وهو ما دفع كثيرًا من مشايخ الصوفية للإنشاد والتعلق بهذه الفريضة، ثم يتم إنشاد هذه الأبيات على إيقاعات صوفية مستحدثة بشكل مختلف في مزج جميل بين الآلات التقليدية مثل الدفوف والعود والقانون مع بعض الأدوات الغربية كالكمان، وهو ما أعطاها رونقـًا مميزًا، لكن بمرور الوقت بدأت ألحظ بعض الملاحظات بين الحضور، التي أستطيع أن الخصها في:

– تململ شريحة كبيرة من الحضور نظرًا لعدم درايتهم بمعاني الكلمات بسبب الضعف الواضح في اللغة العربية، وما زاد من الأمر أن الريتم الموسيقي متشابه نوعًا ما.

– أكثر المتفاعلين مع الحفل كان من الشباب في الصفوف المتأخرة بعكس الصفوف المتقدمة صاحبة التذاكر الأعلى سعرًا، وإن كان من المفترض أن يكون كبار السن هم الأكثر تفاعلًا مع هذا النوع من الفنون، وهو ما يرد على الاتهامات الموجهة لجيل الشباب بالجهل والسطحية والتخلي عن الجذور الفكرية.

– كثيرون حضروا الحفل دون أن يكونوا على دراية جيدة بما تقدمه الفرقة، وهذا ما يضعنا أمام معضلتين: الأولى تكمن في أن بعض الأشخاص يحرصون على حضور مثل هذه الحفلات كي يثبتوا أنهم من النخب الفكرية، وهم لا يدرون أن كونك من النخبة لا يوجب عليك استساغة جميع أنواع الفنون، أما المعضلة الثانية فهي الفراغ الوقتي المتزامن مع الوفرة المادية، فعليك قبل أن تسعد بحجز مقعد في إحدى الحفلات أو الندوات أن تتأكد من استمتاعك أو استفادتك بها أو ترك مقعدك لشخص آخر.

– بدأ الحضور في الانسحاب من الحفل تدريجيًّا وهو ما يعكس عدم وجود ثقافة تقدير الفن، فأنا شخصيًا وجدت الانسحاب من قبل بعضهم فيه نوع من الإهانة لما تقدمه هذه الفرقة التي جاءت خصيصًا من المغرب لتقدم نوعًا من أنواع الفنون الراقية التي تقاوم خطر الاندثار، فكان لزامًا على الجميع التشبث بمقعده حتى النهاية لدعم هذا النوع من الفن، ومن باب احترام كرم الضيافة.

– بالرغم من كل ذلك حافظت مجموعة كبيرة على مقاعدها، بل على العكس قامت بالتصفيق وتشجيع الفرقة على أداء دورها الفني والاستمتاع به.

– حاولت الفرقة المغربية التأكيد على الترابط الثقافي والفكري والروحي بين مصر والمغرب وكيف قام حكام مصر وأهلها باستقبال رحلات الحج المغربية استقبالًا حافلًا عقب عودتها بعد انقطاع.

في نهاية الحفل تأكدت من بعض النقاط المهمة التي أستطيع أن ألخصها في أننا في مصر نحتاج وبشدة للاطلاع أكثر على ثقافات وفنون الدول الأخرى، فأحلام الوحدة العربية لا يمكن أن تتحقق بصورة اقتصادية أو عسكرية أو سياسية دون أن تتأصل أولًا فكريًّا وثقافيًّا وفنيًّا، أما النقطة الثانية فنحن بالتأكيد في حاجة لمراجعة مستوى التعليم ولغتنا العربية بصورة جيدة؛ فنحن تقريبا في منطقة الخطر اللغوي، أما النقطة الثالثة، فهي بالرغم من أن التنظيم كان رائعًا خاصة أنني حصلت على تذكرة مجانية.

لكن ذلك لا يمنع أن بعض الذكاء التنظيمي بكتابة كلمات الأغاني على الخلفية السوداء كان من الممكن أن يكون أكثر فائدة للحضور والفرقة والمنظمين، بدلا من عرض أضواء تتراقص على هذه الخلفية السوداء مع كثير من الملل بين الحضور، الذي يتقاسم مسئوليته الدولة من خلال الضعف الثقافي والتعليمي، والمنظمون من خلال تركيزهم على التنظيم دون الأخذ في الاعتبار واقع الجمهور وخلفيته الثقافية، والحضور من خلال جهل كثير منهم بما تقدمه الفرقة الموسيقية قبل القدوم للحفل، أما الفرقة الموسيقية المغربية فلنا لها كل الحب والتقدير على المستوى الراقي الذي تقدمه من فن تحاول جاهدة الحفاظ عليه في ظل عولمة فكرية وثقافية لا تبقي ولا تذر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد