الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت عميد الدبلوماسية العربية الرجل الذي بلغ أرذل العمر قبيل وفاته لم يدخر جهدًا في إصلاح ذات البين بين الفرقاء الخليجيين، وقام بعمل رحلات مكوكية فيما بين شركاء مجلس التعاون الخليجي المتشاكسون، ينصحهم ويحثهم على ترك الشقاق، وألا يطمع أحد منهم في أرض الأخر، وذلك لأنه يعلم أن آل سعود لهم أطماع في ضم كل من قطر والكويت إلى حظيرتها، وهذا مخطط قديم، وتعرفه كلًا من البلدين، والإمارات تريد ابتلاع عُمان، وفيما يقرب من نصف اليمن كذلك، وجعل الخليج مجرد حيارى في صحاريهم، ويسيطر عليهم الصقر السعودي، وللأسف فإن الممسك بلجام هذا الصقر أخيرًا فهو (الكاو بوي) الأمريكي.

المصالحة بالريموت كنترول

المصالحة الخليجية التي تمت أخيرًا بين قطر، والسعودية، والإمارات، والبحرين، جاءت وبعد انتظار لم يكن الفضل في إتمامها إلى أن القادة والزعماء العرب نظروا إلى ما جاهد الشيخ الصباح لأجله وأرادوا أن يتموها تكريمًا وتخليدًا لذكراه.

وإنما جاءت لأن صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصهيوني تلميذ نتنياهو جاريد كوشنر، مر على مشيخات الخليج ونقل لهم أمر رئيسه بأن المصالحة قد أن آوانها، وعليهم أن يتموها، وذلك في نوع من المكايدة السياسية من ترامب حتى لا يترك ملفًا فيه نجاح لخصمه جو بايدن قد يستطيع إتمامه في أول أيامه، وكذلك توحيد الخليج لتوجيه ضربة وشيكة إلى إيران بحسب آراء مراقبين ومحللين يتابعون التدريبات الأمريكية في المنطقة التي تدور على قدم وساق منذ أسابيع مضت.

لذلك وفي ظل هذا العبث الذي بدأته السعودية والإمارات بالاتفاق مع الشقي الأصهب ترامب هذا السؤال يطرح نفسه.

إلى من تؤول ولاءات الخليج؟

الدولة السعودية الثالثة التي قامت على أنقاض الأولى والثانية في العام 1932 تحت مسمى المملكة العربية السعودية، ومؤسسها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وذلك بعد التعاون الكامل مع الإنجليز، وعبر نقاط اتصال عديدة مثل ضباط المخابرات جون فيلبي وقائد المدفعية الإنجليزي الكابتن شكسبير، والمعتمد السامي البريطاني السير بيرسي كوكس، وقضى الاتفاق بين الطرفين أن تعترف حكومة جلالة الملكة بسيادة عبد العزيز آل سعود على الجزيرة العربية، عدا أجزاء معينة أصبحت إمارات مستقلة فيما بعد، وذلك في مقابل محاربة الزعامات العربية العريقة المجاهدة التي تناصر دولة الخلافة الإسلامية العثمانية، مثل آل الرشيد التي كانت تحكم جبل شمر، وعاصمتهم في حائل، كذلك عدم المطالبة بأن يجمع العرب تحت شمله، أو أن يطالب بتلقيبه (خليفة)، ويكتفي بمملكة لها حدود على خلاف الشريف حسين أمير مكة، والذي كان الآخر له اتصالات خاصة، مع المندوب السامي الإنجليزي في مصر مكماهون، وكان يسانده في ذلك ضابط المخابرات الإنجليزي توماس إدوارد لورانس الشهير بلورانس العرب.

بيد أن شريف مكة كان يريد لقب الخلافة، وكذلك يريد بسط نفوذه على كافة أجزاء جزيرة العرب، وهذا الذي عارضه جزء كبير في المخابرات البريطانية والحكومة كذلك، هذا الأمر أيضًا كان يمثل تيارًا محاربًا في صفوف آل سعود كان يحارب معه والمسمى «إخوان من طاع الله» الذي كان يريد ضم العراق والكويت، واستمرار غاراتهم على المسلمين التي يسمونها «جهاد الكفار»، وقام عبد العزيز بسحق تمردهم بعد حبس قاداتهم، وقتل بعضهم، والعفو عن بعضهم الآخر بعد الاستسلام والخضوع، وهذا من ذكاء عبد العزيز الذي علم أن الإنجليز لا يريدون ربط الحكم الجديد حتى ولو بالمسمى فقط بلفظة (الخلافة الإسلامية)، بل خرجت الوثائق البريطانية تؤكد على رضاء عبد العزيز بتوطين اليهود في فلسطين دونما أي اعتراض، وظل ولاء آل سعود للإنجليز منذ التأسيس وحت اندلاع الحرب العالمية الثانية وتدمير أوروبا، ثم بعد عقد خطة مارشال التي تقضي بأن تقوم أمريكا بإعادة إعمار كافة أوروبا وإزالة آثار الدمار والحصول على كافة مستعمرات كل من فرنسا وبريطانيا في الشرق الإسلامي، ومن وقتها وحتى الآن، ورغم مماطلة بريطانيا بعد انسحاب قواتها فعليًا برحيل آخر جندي بريطاني من الكويت عام 1961، ثم الانسحاب فعليًا من قاعدة عدن عام1967 بعد احتلال دام 129 عامًا، ثم الانسحاب كاملًا من الخليج ككل نهاية العام 1971 الذي منح آل ثاني السيادة على قطر، وآل خليفة على البحرين، وتم منح السبع عائلات المعروفة السيادة على جزر خليج عمان المتصالح، ثم ما لبثوا أن وحدهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تحت حكمه.

لمن تتبع مشيخات بحر العرب؟

انضوت كل مشيخات الخليج تحت التبعية والهيمنة الأمريكية، وبعد حرب الخليج الأولى والثانية تأكد الاحتلال الأمريكي فعليًا في كافة أرجاء الجزيرة العربية ومصر قبلًا بأعوام عديدة، حيث تم نشر القواعد والجنود الأمريكية في سيناء تحت مسمى قوات حفظ السلام، وبعد غزو صدام للكويت تم نشر القوات والقواعد الأمريكية في المملكة والكويت، وحتى الاحتلال الفعلي للعراق في العام 2003، وبعد انتفاض الجماهير العربية عقب أحداث ثورات الربيع العربي، وقيام الشعب السوري بالثورة ضد بشار الأسد تدخلت روسيا بأمر الأمريكان، وأنشأت قاعدة حميميم الجوية، إلى جانب 10 قواعد أمريكية في الداخل السوري، وبين سوريا، والأردن، والعراق، بيد أن الأردن بعد الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وتوسيع قاعدة (موفق السلطي) بالأردن أصبحت تبعيتها كبيرة لأمريكا بعد أن كانت مرتبطة بقوة بجهاز mi6 البريطاني.

الشمال الأفريقي الإسلامي ما بين العمالة والتبعية الأمريكية

 في السودان تم إنشاء دولة مسيحية في الجنوب برعاية أمريكية كما أن نظامي جعفر نميري والبشير كان يتعاونان قبل ذلك في السر مع وكالتي (الإف بي آي) و(السي آي إيه) وقدما لهذه الأجهزة معلومات جيدة، وحطت أول طائرة عسكرية أمريكية في الخرطوم في 17 مايو (أيار) 2003، كذلك فإن المعاهدة الموقعة مع مراكش في مايو عام 1982 سمحت لأمريكا نقل قوات الانتشار السريع عبر هذا البلد والقيام بتزويد الطائرات الأمريكية بالوقود واستخدام القواعد والمنشآت المحلية لإجراء التدريبات والمناورات.

وفي جيبوتي قاعدة ليمونيه وهي قاعدة فرنسية بالأصل، تم تأسيسها كحامية لفيلق القوات الاجنبية الفرنسية. سيطر عليها الجيش الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بعدما قررت باريس أنها لم تعد بحاجة إليها، هذه القاعدة الوحيدة الدائمة للولايات المتحدة في القرن الافريقي، وتقع على بعد بضعة كيلومترات فقط من القاعدة الصينية.

وبهذا يكون الوطن الإسلامي والعربي كله بما فيهم مشيخات الخليج يدينون بالولاء والتبعية للأمريكان الذين يمثلون الهيمنة والسيطرة على العالم، وبهذا المنطق والشكل فالمسلمون والعرب يرزحون تحت نير استعباد واحتلال أشد بشاعةً من الاحتلال القديم الذي كان له تواجد رسمي، وتستطيع الجهاد ضده وقتاله، والحكم عليه بالكفر؛ لأنه عدو ظاهر مجرم مخالف لك في العقيدة، ويقوم بظلمك وقتلك، وانتهاك عرضك عيانًا بيانًا، جهارًا نهارًا، وما الذي ارتكبته فرنسا عنا ببعيد في الوطن الإسلامي بالجزائر وتونس! وما الغارة الأخيرة التي قامت بها القوات الجوية الفرنسية المجرمة على عرس بمالي، والذي أودي بحياة 100 شخص، إلا دليلًا على الحقد الصليبي للإسلام والمسلمين.

لذلك فقد أصبح المسلمون الآن بين احتلال بالوكالة من قيادات عسكرية تتسمي بأسماء المسلمين، وتتدثر بلباسه، وتمارس شعائره أمام الكاميرات، ولكنها تخضع وتؤول إلى المحتل الغربي وما هم إلا موظفين بالسفارة الأمريكية صاحبة الحكم الفعلي والحل والعقد في هذه البلاد.

السيد الجديد

 والآن بات الجميع في انتظار السيد الأصفر الجديد، المارد الصيني الذي يتهيأ لاستلام العالم بعد السقوط الأمريكي الذي بات وشيكًا.

فهل يا ترى ستظهر زعامة إسلامية توحد المسلمين والعرب في مواجهة الخطر الأصفر؟

هل سينفض المسلمون غبار التبعية والعبودية عن كاهلهم ويتجهون إلى إعلان الولاء للإسلام والبراء ممن سواه؟

هذا ما ستحمله الأيام القادمة من أخبار ولا حول ولا قوة الا بالله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد