منذ أن تعرفت على القراءة الفكرية، ورأيت كيف يصطرع المفكر والكاتب وصاحب الرسالة مع ذاته حول فكرته ذاتها والفكرة المضادة، وكيف يُمرضه استفال الواقع عن الذي يجب أن يكون عليه، منذ تلك اللحظات كنت أتخيّل أن بعض المفكرين وأصحاب الرسالة يبالغون، وربما تجرّهم حماسة البلاغة ودفق العواطف نحو النقد التصحيحي لمن يعملون باسم الفكرة، ومن يسوّقون الفكرة على عكس ما هي عليه، ثمّ دارت الأيام واختلط حابل العالم الفكري بنابله فلا تدري من المفكر ومن غير المفكر، كون مواقع التواصل الاجتماعي فتحت الباب على مصراعيه لكلّ مجيد للإملاء وبقي من يحملون الفكرة – على إختلاف مشاربها -عبارة عن جمهور من المتفرجين على الواقع وهو يتردى والفكرة وهي تشوّه، تمامًا للحالة الاجتماعية المشابهة لبلد تُجري نسوته عمليات التجميل المختلفة والمتتابعة والمتشابهة، فذاب الاختلاف المثري للحالة الفكرية، وذوت الفكرة المبدئية في زاوية أقفالها الوصم بالتطرف والإرهاب والتشدّد والمثالية والفوقية وغيرها من المسميات التي تتخذ من أصحاب الصورة النقيّة للفكرة غرضًا وهدفًا، وكذلك وسيلة للصعود في مجتمعات التملق والتسلق والذيلية.

بعد ما سبق يمكن القول إنّ كثيرًا من ممن ينطبق عليهم الوصف – أصحاب الفكرة – قد دخلوا نفقا من العدميّة لا يمكن الرد عليه بمجرد الوعظ التزكوي، ولا حتى المسألة العقلانية البحتة التي أصبحت الآن كموضة الملابس، لقد نتجت حالة العدميّة عن عدّة أمور لا يمكن إغفالها، ولا حتى يمكن تجاهل نتائجها الكارثية نوعًا ما، حيث  ينتقل إلى صاحب المشروع من حماسة العمل المنتج إلى جحيم الأسئلة الذاتية حول جدوى العمل، وفاعلية التنظير، وإمكانية التغيير، وبعض الأسئلة التي قد يعدّها البعض كفرًا.

السبب الأول لحالة العدميّة هو الانقسام بين أصحاب الفكرة ذاتها حول أساليب العمل والتحالفات المتعلقة بالفكرة من أساسها، فمثلًا لو كانت الفكرة في ماهيتها تصنيفية تقوم على المفاصلة التامّة تجد هناك من يعمل على تعطيل المفاصلة ويراها نوعا من الفوقية الفكرية ولا يمكن أن تكون واقعًا ملموسًا، وكأنّ الحق والباطل يمتزجان في فترة ما ليبقى الباطل قويًا ويستمر الحق في محاولة الحياة، فمن باب المثل فقط يمكن أخذ العلاقة بين الأحزاب السنية في المنطقة وإيران كمثال فاقع لما نتحدث عنه، فبعض الأحزاب لديها علاقات مع إيران وأدبياتها ترفض هذه العلاقة، بل تحرّمها وتراها نوعًا من النفاق، وفي المقابل تحمل هذه الأحزاب مواقف صارمة ضد المال السياسي المتثمل حاليًا في الدول النفطية العربية التي تحاول أن تجد لها موطئ قدم في العالم من خلال مالها ومالها فقط، فيكون الحزب المتحدث عنه لا يجمع بين نقيضين فقط، بل ثلاثة متناقضات، تشمل التعارض مع أدبيات الفكرة نفسها والعلاقة مع جهة تخالف الفكرة وجوهرها، وكذلك التمويل من جهة لا تُعدّ حين الحديث عن فكرة ذات أسس ثابتة وفروع باسقة، والحالة المتحدث عنها سابقًا تسبب نوعًا من الفصام لدى من يحملون الفكرة ويفنون أعمارهم ليروها واقعًا ملموسًا ذا مكانة وأهمية، هذا الفصام يجعل حامل الفكرة يتخلى عن العمل؛ كونه لا يجد ما يُرقّع به الفجوة بين أس الفكرة وواقعها، وفقدان الحماسة ورؤية الفقدان للفكرة كما هي ليس بالأمر الهين؛ فربما يشبه آلام المخاض، ولكن بأضعاف 10، أو أن تُجرى لك عملية استئصال لعضو من جسدك دون تخدير مع حسّ وشعور عال منك بالألم.

والسبب الثاني لحالة العدمية هو الانقلاب العربي على الربيع العربي – المفترى عليه – فالمتابعة الحثيثة لما حدث خلال ما يقارب العقد توحي بأنّ الأمر ليس كما كان يتوقع البعض، حيث ظنّ البعض أن المسألة لا تعدو نزهة يتخللها الهتاف بسقوط الطاغية فيسقط وتنتهي حقبة الحكم الجبري ويعود الحقّ للواجهة دون ثمن، لقد شخص الكواكبي هذا الأمر في ثورات العرب منذ القدم؛ فقال: إنّنا نجتث شجرة الظلم والاستبداد من على وجه الأرض، ونترك جذورها لتنمو من جديد، وهذا ما اصطلح على تسميته بالدولة العميقة، وهي الجيش المدني والعسكري المستفيد من الظلم والطغيان والفساد، فلا يتخيّل عاقل أن يقبل لا منتفعون بزوال دولتهم لأننا هتفنا في شارع ما لبضعة أيام، فكان الهدف الأسهل والحلقة الأضعف هو الربيع العربي ذاته، فانقلبنا عليه بالتفاوض والواقعية والبراجماتية وغيره من مسميات الاستخذاء الترقيعية، وعندما رأى أصحاب الفكرة ما يحدث أضافوا إلى حالة الفصام حالة أخرى ضاعفت من الشعور بالعدميّة، ألا وهي حالة الهبائية، فما معنى أن ننكص على أعقابنا في تحركنا نحو الخلاص من الظلم والطغيان ونستكين إلى واقع أذلّ من سابقه؟ وما معنى أن يصبح التغني بالطاغية السابق نوعًا من الوطنية؟ وما معنى أن نترك هكذا في عراء العالم دون معين أو ناصر؟ وما معنى أن تذهب عقود من الإعداد والتربية هباءً منثورًا وكأننا كنا نزرع في سبخة ونشرب من سراب ونبني على رمال متحركة؟ وما معنى أن تموت محاولاتنا أمامنا دون أن نملك حقّ دفنها أو حتى وداعها؟ وآلاف من الأسئلة التي لا يمكن إجابتها بصورة سطحية من باب الإسكات وطيّ الملف. وهكذا غدا المصلحون الطامحون للتغيير في صومعاتهم يرون كلّ من هبّ ودبّ يجتاح الأمّة يمنة ويسرة دون أن يقابل بردة فعل حتى ولو تمثيلية، فضاق الواقع واتسع فضاء العدميّة.

والسبب الثالث الذي يمكن أنّه كرّس حالة العدمية هو غياب التعاون والتكافل بين العاملين للفكرة على اختلاف اجتهاداتهم، فصار العاملون للفكرة عبارة عن أعداء من الناحية الواقعية المجردة؛ مما يجعل فكرة العمل التكاملي فكرة هبائية تشبه الفانتازيا، فلا يكمّل بعضنا بعضا فالسلفي يكفّر غيره والصوفي يرى غيره جهالًا وعوامّا، والبعض ينتظر مخلصًا يأتيه دون عمل وينكر تدرّج غيره، ومن عرف مراحل الترقّي في العمل للفكرة يعلم أن المرحلة الأولى هي مرحلة التعصب الأعمى الناتج عن قلة العلم، ومن ثمّ مرحلة تقبل الآخر الشريك في الفكرة، ومن ثمّ مرحلة الإحسان الاعتقادي التي لم يبلغها إلا قلة، حيث يرون الكل يكمل الكل والاجتهاد يسع الجميع، غير أنّ ما ورثناه من الحكم الشمولي الاستبدادي الديكتاتوري جعلت الآخر عبارة عن عدو لا يمكن المهادنة معه وتطبّق معه المفاصلة التامّة، بينما العدو الحقيقي هو حليف بالمصلحة وشريك في دحر الآخر، وعليه تكتمل أركان الصورة العدميّة الحالكة التي نحياها في واقعنا المجرد فلا الفكرة فكرة ولا العمل باسمها يطابقها ولا التنظير مطابق للواقع، فنحن شرّ ممزق ويغنّي كلٌّ على ليلاه.

إنّ انتفاخ الأنا وتضخمها عند العاملين لأي فكرة ومخالفتهم لها جعلهم مجلسًا روحيّا أعلى – من جهتهم – لكلّ شيء فصار الجهد المطلوب للتغيير العامّ ضعيفًا بصورة مزرية كون الجهد يذهب في النقاشات والخصومات داخل أروقة كلّ فكرة وعليه نجد أن الفاجر له جلدٌ ينجز من خلاله، بينما الثقات تتآكلهم فكرتهم وتستهلكهم في ترهات عدم المفاصلة والحزم، فيستبدّ الباطل وزبانيته بالحياة ومجرياتها، ونحن إما نحلل أو نعلل أو نبرر. والله غالب على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد