هناك الكثير من الصراعات التقنية والمنافسات العلمية كانت سببًا في بلوغ الانسان هذا التطور المبهر الذي لم يسبق له مثيل.

لقد شجع كسب ود المستهلك شركات الإنتاج الصناعي في ان تسابق الزمن وتتفوق علي نفسها من أجل التميز على غيرها لفرض علامتها التجارية على العملاء والذبائن مما يمكنها من تحقيق أهدافها المادية والمعنوية.

إن الصراعات والحروب بين الدول يمكن أن تمثل نموذجًا للمبارزة الضارية بين شركات الصناعات العسكرية ومسرحًا من مسارح السباق نحو الجائزة الكبري، وهو تحقيق الانتصار وسحق المنافسين.

لو قدر أن وقعت الحرب بين بين أقوى دولتين عسكريًا في العالم: روسيا الاتحادية، والولايات المتحدة الأمريكية.. فهذا يعني الصراع المسلح الذي تشترك فيه جميع القوات العسكرية والإسناد المدني.. وتعني أيضًا مشاركة كل أصناف القوات المختلفة كل حسب تخصصه.. وعلى نفس الصعيد سنشاهد على مسرح المعركة الكبير صراع من نوع آخر، وهو صراع العلم والتكنولوجيا بين كلا الخصمين، وهو تفسير للسباق الحامي بين شركات الصناعات العسكرية.

فروسيا وأمريكا يتنافسان منذ زمن بعيد السيادة والنفوذ على القرار الاقتصادي والسياسي في العالم، وهذا تجلى في حرص الدولتين على تقدم التكنلوجيا والتقنية الحديثة لشركاتها الدفاعية كما منحتها صفة الاستمرارية لضمان مواصلة التميز.

من جانب الولايات المتحدة الأمريكية اهتمت كثيرًا بعملاق صناعة الصواريخ والطيران شركة لوكهيد مارتن والتي تأسست منز العشرينات من القرن الماضي، وهي أكبر شركات الصناعة العسكرية في العالم، وتوظف حوالي 100 ألف موظف. ومن أشهر صناعتها متسلسلة الطائرات الحربية الأسطورية الأمريكية والتي تبدأ من (f 5.. وتنتهي بـf 35).

على صعيد روسيا الاتحادية فهي ساهمت واهتمت بشركة سوخوي للصناعات العسكرية. وهي مثال لعبقرية الإنسان الروسي ومن أشهر منتجاتها طائرات الفلانكر الحربية مثل (سو 30، سو 35، سو 24) وهذه الطائرات تخطت عظمة طائرات الميج التي سادت الاجواء العالمية في القرن الماضي، ففي محيطنا الإقليمي ينتاب الكثير من منسوبي القوات الجوية للبلدان التي تشغل هذه الطائرات نوع من الرضي المهني والوظيفي وقدر من الاطمئنان لها؛ ففي الجزائر تعتبر طائرة su 30 هي طائرة السيادة الجوية الرئيسة للبلد، وفي السودان يلحق طيارو الصف الأول في القوات الجوية بسرب القاذفة التكتيكية متعددة المهام su 24، بالرغم من وجود طائرات الميج 29 بكل تميزها التاريخي على مستوى العالم.

وكمثال لهذا التنافس المحموم بين شركتي الصناعة العسكرية لكلا البلدين واضح أن يتجلى الصراع الكبير بين طائرة الـf 35 أيقونة سلاح الجو الأمريكي وجوهرة الشركة الأمريكية لوكهيد مارتن، مع فخر الصناعة الروسية طائرة su t 50 باك فا،

طائرة الـf 35 هي إحدى طائرات الجيل الخامس، وهي شبحية وتعتبر من أقوى ثلاث طائرات حربية في العالم… مشروع هذه الطائرة هو تطوير لطائرة الـf 22 رابتور بمشاركة عدة دول أخرى منها بريطانيا وإسرائيل، الفكرة اساسًا أن الـf 22 هي طائرة غالية الثمن ومكلفة جدًا ويفرض عليها مجلس الشيوخ الأمريكي حصارًا، ويرفض بيعها لأي طرف آخر… لذا فكرت الشركة في تصنيع نسخة شبيهه منها أقل تكلفة لتحل محل طائرات الـf 15 والـf 16، لهذه الطائرة مميزات تجعلها متفوقة على طائرات جيلها، دعك من مقاتلات الجيل الرابع؛ فهي شبحية، بمعنى أنها ليس لديها بصمة على الرادار؛ فهي مصنعة من مواد تساعد على تشتيت الأشعة العاكسة من الرادارات المعادية.. ولا يمكن إصابتها بالصواريخ الحرارية؛ لأن محركاتها تكون داخل جسم الطائرة.. السرعة القصوى 1.6 ماخ في الثانية.. أقصى ارتفاع حوالي 20 ألف متر، لديها قدرة كبيرة على المناورة، نعم لقد صممت هذه الطائرة بهذه المواصفات لتكون سيدة الموقف الجوي للجيش الأمريكي، فهل انتهت الحكاية بالنسبة للمنافسين؟ وهل سلمت روسيا الاتحادية بالتفوق الأمريكي؟

بالتأكيد لم يحدث لا هذا ولا ذاك، بل ردت شركة سوخوي أسطورة الصناعات الروسية بالمثير جدًا في عالم صناعة طائرات الجيل الخامس الشبحية.. مضافًا للخبرات الروسية تم استدعاء العبقرية الهندية للمشاركة في إنتاج طائرة su t50 back fa وأنتجت بالفعل بمواصفات أسطورية بالمقارنة مع طائرات الجيل الخامس، فهي أيضًا شبحية وبسرعة تقترب من ثلاثة أضعاف سرعة الصوت وتعمل بمحركين ولها قدرة فائقة على المناورة وسوف تدخل الخدمة الفعلية في سلاح الجو الروسي أواخر هذا العام، ويرجح أن يستلم الشريك الهندي أكثر من 200 طائرة في الأعوام القادمة.

لن نستطيع أن نخمن الطائرة التي سوف تسحق الأخرى في الصراع الجوي المحتمل بينها في حروب المستقبل بواسطة روسياالاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية أو الأطراف الأخرى، لكن المهم أن صراع العلم والتكنولوجيا بلغ مراحل متقدمة وأصبح مستمرًا يسهر خلفه المهندسين والفنيين والتقنين الليالي الطوال، إذ لا أحد يرضى أن يتنازل عن التفوق العسكري العلمي والتكنولوجي للأطراف الأخرى.

وبالتأكيد أمريكا وروسيا والصين هي سعيدة بتقنية طائراتها الشبحية من الجيل الخامس.. وتحسب أنها حققت نجاحًا عظيمًا في تاريخ العلم والمعرفة… وتعتقد أنها تجاوزت كل العقبات الممكنة وبعض المستحيل.. لكن هل انتهى الصراع هذا؟ من سخرية القدر أن دولة متواضعة القدرات العسكرية أطلقت تهديدًا مرعبًا لهذا النوعية من الطائرات؛ مما تدخلها في هذا الصراع العلمي والتقني الرفيع ففي الوقت الذي طالما يتحدث العالم عن تميز الطائرات الشبحية، فإن التشيك أنتجت رادارًا قادر على رصد مثل هذا النوع من الطائرات إذ إنه يستهدف الأنشطة الإلكترونية الصادرة من الطائرة وهو لعمري اكتشاف رائع وعبقرية عظيمة حتى وإن كانت لا تزال في طور التجربة.

إن الإنسان أصبح أمره أخطر من عالم الجن، وصدق من قال: كلما أوجد الدهر في الحياة قناة .. ركب المرء في القناة سنانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد