وأنا على أعتاب عامي السابع والعشرين، أحببت أن أهدي كلماتي وامتناني إلى عامي الخامس والعشرين، الذي مررت فيه بما لم أتوقع يومًا أن أمر به، ففيه شاهدت سكرات موت الأحبة، ونظراتهم الأخيرة التي عانقت السماء، وانهيال ذرات التراب الناعمة على أجسادهم الطاهرة، في هذا العام فقط أدركت ماهية الموت وطقوسه وآلامه، وأدركت خيفة وغربة الروح، وألم الفقد، ولوعة الفراق، وقسوة الغدر والخِذلان، وفرحة النجاح ونصر الله العزيز أيضًا.

عامي الخامس والعشرون الذي مثل نقطة التحول في حياتي، والتي بدلت ضعفي قوة، ويأسي إلى أمل وإن كان متقطعًا، وفراغ قلبي إلى منبر للعشق الإلهي، وامتنان لكل ما مررت به.

في هذا العالم فارقت جدتي الحبيبة، وأبي الحبيب رفيق الروح، لأدرك بعد رحيلهم أن ألم الفراق في بداية وقوعه لا يمثل سوى نقطة غليظة في بحرٍ من الألم والخوف والوحدة، وأن الموت واعظ وصديق يُلوِح لنا من بعيد في كل لحظة، ورفيق الحياة الذي يَخُط نهاية مثوانا الدنيوي الأخير، نحو الارتقاء وتحرر الروح من سجن الجسد.

وتعلمت أيضًا أن الموت أديب يَقُص علينا في وقار وهيبة، حكايا الطيبين وبصماتهم، وعبق كلماتهم التي نرويها على مر الزمن، كأساطير الزمن القديم وحكايات الأجداد التي ترويها ملامح الشقاء والصمود المنحوتة في تجاعيد وتقاسيم وجوههم الأبية.

نعم وحده الموت، يَقُص علينا أدب وفلسفة الحياة التي نعيشها، دون أن نعيشها حقًا، رغمًا عن قسوة وقوعه على النفس، ولكنه وحده ما يهُدينا حياة ومِداد الراحلين داخل أرواحنا، كجذور الأشجار الباسقة التي تمتد لآلاف الأميال تحت سطح الأرض، وينابيع الماء التي لم تجف يومًا، وحده يجعلنا نسعى لتحقيق أحلامهم المبتورة، وحده الألم الذي يخلق منا إرادة تهزم كل خوف، كل ضياع، كل انكسار وحزن جليل.

تعلمت أن أبحث عن الله بداخلي في كل لحظة، وأن النور الذي يسكن القلب في أحلك الأوقات ظُلمة، هو من نور الله، ليدلنا به على الطريق وسط حُطام النفس، ونواصي الآمال الحزينة، وأن جدران الروح لو تهدمت لم يبنِها ويشد عضدها سوى التقرب الصادق لله الواحد الأحد الفرد الصمد، وأن أجعل من قلبي دليلًا وطريقًا، وبوصلة وحديثًا وحقيقة، حقيقتي بخيرها وشرها، بكبريائها وضعفها.

أدركت أن جوهر الإيمان أن تملأ عقلك وروحك ونبض قلبك، ولحمك وعظامك بالله، فليس أحد سواه سيُضيء روحك، ويجبر كسر قلبك، وأن لا تخف في الله لومة لائم، وأن لا تخشَ تدبير بشر يسوقهم الله إليك بشرورهم، ليكشفهم لك من كل الجوانب، حتى لا يُخفي عنك شيئًا، فالله يُصيبنا بالضُر لينفعنا، ويُعلمنا، ويُنير بصائرنا المُعتمة، ويُقيم جدران قلوبنا المُحطمة، لنجوب داخل أروقة الروح بمشكاةٍ من نورٍ سرمدي، يتسلل إلى أعماق جراحنا فَيمحوها ويُبدِلها أمنًا وسرورًا وحبورًا، لتختفي آثارها فتصبح وكأنها نسي منسيٌّ.

إنه اليقين والمدد والعون والوصال الذي أسعى إليه دائمًا، «الوصال» الذي يجمع شتات قلبك بين ليلة وضحاها، وينثر بذور الأمل داخل أوردة قلبك الهزيل، ليأخذ الله بيديك، ويُربت على روحك المنهكة، ويرسم لك الطريق، ويضع لك قبولًا واسعًا في السماء والأرض، حتى تصبح السعادة لك عنوانًا ومستقرًا لا مرورًا عابرًا على خُطى الطريق، فلعل ما عذبك هو ما طهر أعماق قلبك من صدأ الذكريات الموجعة، التي طفت على سطح روحك وارتسمت على وجنتيك، فيُهديك الله إلى نفسك ومن ثم إلى الحق، ويُنبتك نباتًا طيبًا كأنك وليد اللحظة، فقط «كن ممتنًا لكل ما تمر به، فإنه يحمل رسالة من الله إليك» كما قالها الرومي سالفًا.

فقط إنه الإيمان واليقين يا صديقي الذي يجعلك تتوضأ من ميضأة الحب وأوراق زهر العشق الإلهي.

تعلمت أن أهزم الخوف ولو بقلبٍ مجروح، وأن الثبات على المبدأ هو ما يُمهد الخروج إلى النور في النهاية، وأنه المخرج الشريف من كل علاقة زائفة تمتص من رحيق الروح وجمالها وبهائها.

فالله وحده يرى بواطننا، ووجوهنا الحقيقية، ويعلم براعة كل إنسان في ارتداء أقنعة الجمال المزيفة، وحده يسمع أحاديث الروح، وصراع النفس الذي يأكلنا بنهمٍ شديد، بين الخير والشر، والحق والباطل، والثبات والخوف.

وحده يكشف نبض النوايا المتوارية، خلف الأحاديث الكاذبة، والعيون اللامعة، والابتسامات الزائفة، وحده يُبسط أجنحة الرحمة على المظلوم، ويفتح له أبواب الولوج، فتعرُج إليه الآلام، فتعود إلى صاحبها طمأنينة وسرورًا.

أدركت أن كسر الروح بيد الله يُجبر، وأن كسر الأمانة فجوة لا يملؤها عبور مسافة أو مرور فترةٍ من الزمن، وأن السير على الأشواك سيُتيح لك الركض عليها بامتنان يومًا، تعلمت أن لا أجزع من جراحي، وأن أنسج منها خُطى أحلامي، كخطوط من نور.

أدركت أن الانتصار الحقيقي ليس بالألقاب والمُسميات، والزواج والإنجاب، ولكن الانتصار الحقيقي للذات وعزة النفس والكرامة التي لا يعوض فقدانها شيء، الانتصار بحق هو أن تحافظ على قيمتك وقيمة الإنسان بداخلك، والصمود رغمًا عن طعنات الغدر والخِذلان المُتتالية، ولو كلفك الأمر أن تفنى بجسدك، حينها فقط ستكون روحك على قيد الحياة.

أدركت أن البقاء للحب الحقيقي المبني على الثقة والاحترام، والمودة والرحمة الملموسة في الأفعال والمواقف المُرة والأليمة، قبل المواقف التي يتجمل فيها الجميع بأقنعة زائفة مهترئة، يومًا ما ستنتزع من على وجوههم فجأة، لتكشف زيف الحديث وخبايا النفوس وشرورها، فالحب أمانة وعطاء وإيثار وتضحية، وشرف لا يستطيع الكثير أن يناله، وسمو ديني وأخلاقي وإنساني ونفسي قبل كل شيء.

تعلمت أن أتنفس أوجاعي لأتذكر دائمًا أنها تُطهرنا من الداخل، وأن الصبر عليها دائمًا ما يهدينا إلى الفرج، والخروج إلى النور في النهاية، وأن أتنفس أوجاع كل من ظلموا واستغلوا، وخذلوا وأساؤوا، لأنعم بنصر الله الذي يأتي ولو بعد حين، نصر الله الذي جعلني أقر عينًا، حتى أراني إياهم يذوقون مرارة أفعالهم، ويتجرعون من كؤوس أنانيتهم وخِذلانهم.

ليس انتقامًا ولكنه عدل الله، إنه حقي الذي رده الله لي، فآلامهم هي انعكاس لأوجاعي المسبقة، وثقتي التي خابت، وحُسن ظني الذي جلب لي المتاعب عمرًا، إنه ميزان أفعالهم، وجزاؤهم الذي يستحقونه ويليق بهم، ودَينهم الذي تفاقم عليهم بإرادتهم، ذلك ما زرعوه كبرًا وغرورًا وأنانية، الآن يحصدونه، وذاك الحصاد كان المخرج الشريف لي، والسجن والبئر العميق المُوحش لهم.

تعلمت أن مقياس السعادة وحصولنا على النعم مقياس سطحي وخاطئ، وذليل أحيانًا لوسواس الشيطان، وأن المقارنة بالغير ما هي إلا حفرة من التوقف والتيه والسقوط الحتمي، تعلمت أن لكل شخص جناحيْن أحدهما الحب، والآخر هو القدرة على العطاء، دون أدنى تفكير أو انتظار للمقابل، وأن قضاء حوائج الناس هي قضاء حوائج أنفسنا، وترياق لأرواحنا من شوائب الحياة ورتابتها، وغُصة الخوف من المجهول، ومشاعل النور والإنسانية الباقية رغمًا عن وحشية العالم.

وأخيرًا تعلمت أن لا أتخاذل في حق أحلامي، فالأحلام لم تخلق يومًا للجبناء، وأن أنتمي إلى نفسي لا إلى الآخرين، وأن أعتق ذاتي من سجن البدن، وأحلق عاليًا من بوابات الروح وإن كانت مرهقة، مُتعبة، تائهة، تعاني، ترتجف، فلا بد من الوصول يومًا بنور الله، فقط كن مستعدًا للرحلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد