عندما تكلمت عن «القوة الضاغطة» كان محور حديثي عن التدافع بين قوتين تندرجان تحت «الردع المتوازن»، وكانت الظاهرة محل الدراسة هي «الضغوط» في الموائع، وما أتكلم عنه الآن يعد استكمالًا للحديث عن الموائع، ولكن من زاوية أخرى في موضوع مختلف غاية في الأهمية، إذ إنه يجمع في صراعه بين قوة صلبة وقوة سائلة، وأيضًا بين استخدام القوة الصلبة للقوة السائلة في صراعها مع قوة صلبة أخرى.

ويمكننا أن نضع حدًّا فاصلًا في تعريفنا للقوة السائلة فنقول: هي القوة التي تجردت من المكان وامتلكت عامل الزمان.

وقد سميتها بالقوة «السائلة» لصعوبة الإمساك بها، مع وجود أثرها في الواقع، وإن نقطة ضعف أي قوة هي أن تتحيز بمكان في صراعها، ولذلك فهي حتمًا في دائرة الخطر المباشر، ولأن المكان هو الغاية في الثبات «الإقليم- الدولة» وهو الهدف في «التوسع»، ولما كان هذا الخطر يحيق بالجميع، كان السعي من أجل التوازن في القوى كمرحلة أولى من مراحل الصراع، لفرض نوع من السلام، وإن كان هشًا.

إن كل انحدار في القوة المكانية، يقابله صعود في القوة اللامكانية «السائلة»، نعلم أن هناك إجماعًا بين العسكريين على قدرة القوة اللامكانية في منع الخصم من تحقيق النصر الكامل إذا وجدت الإرادة، لكن في هذه الحالة يظل الصراع بدون حسم لكلا الطرفين، فالقوة «السائلة» لن تستطيع أن تتحول إلى قوة مكانية؛ بل لا ينبغي لها ذلك استعجالًا، وإن الخصم يعلم تمامًا ديناميكية حركتها، لذلك فهو يخطط دومًا لدفعها إلى حيز، تحاصر فيه «مستنقعًا»، وبالتالي سوف تعامل معاملة القوة الصلبة، ولن يكون في مقدورها ذلك، إلا إذا امتلكت القدرة على تكبيد الخصم أكبر خسائر رادعة ممكنة في بداية التحول إلى جيوش نظامية، هنا يحدث نوع من التوازن يضطر فيه الخصم على التراجع عن هدف توسعي إرادته فيه أقل من الطرف المدافع.

حماس

يعد نموذج حماس مثالًا واضحًا للقوة اللامكانية «السائلة» التي تحولت إلى قوة مكانية صلبة، وهي أضعف ما تكون لامتلاك تلك القوة، ولأنه أصبح صراعًا مكانيًا من الطرفين فقد أصبح الحسم فيه لفارق القوة، نعم إن حماس استطاعت في كل حروبها أن تحتفظ بقوتها الضعيفة نسبيًا بعيدًا عن التدمير باستعمال الأنفاق «القوة الهجين»، إلا أن هذا لا يعد هدفـًا عسكريًّا وحيدًا، فالقوة هي السيف والدرع، ومهمتها هي الدفاع عن «الجسد» الشعب والسيادة على المكان، لكنه لم يتحقق شيء من ذلك، فالطرف الآخر لا يتورع في استهداف المدنيين، وليست هناك أية قوانين دولية تردعه عن ذلك على أرض الواقع، ومن هنا كانت حماس مجرد استنساخ لنموذج «فتح» بمذاق إسلامي، وما يشهد به الواقع أن حماس فرضت إرادتها على السلطة الفلسطينية، ولم تفرضها على الإسرائيليين. (لا يفهم من كلامي في حالة حماس التخلي عن المكان)

الولايات المتحدة الأمريكية

لقد استطاعت الولايات المتحدة نقل صراعاتها خارج حدودها من خلال عدة أمور:

الأول: أن تنتقل بجزء من قوتها خارج حدودها من خلال شبكة واسعة من القواعد العسكرية، وهي قوة «مكانية» تجعل الخصم أمام خيارات صعبة، بين مواجهة القوة خارج حدودها أولًا، أم مواجهتها داخل الحدود المكانية، أم الاثنين معًا «الضربة الشاملة»، وتعدد الخيارات هذا يتطلب منه السعي لامتلاك قدرات عسكرية فائقة، لإقناع الخصم بالقدرة على إحداث الضربة الشاملة، فضلًا عن ذلك فإن نقل القوة خارج الحدود، يمثل عاملًا كبيرًا في إقناع الخصم بإمكانية إحداث الضربة الثانية.

الثاني: خلق صراعات مع الخصم، واستنزافه في حروب تقليدية «تدار بالوكالة» من خلال أطراف أخرى، ولذلك سوف يظل الرمح الأوكراني، معلقـًا في مواجهة الخاصرة الروسية.

الثالث: استخدام القوة السائلة «اللامكانية» من خلال التنظيمات التي تنسب نفسها للإسلام، وأخطرها على الإطلاق هو صنيعة أمريكية، رأسه صنعت بأيد أمريكية، وجسده مغرر به مخدوع في قادته.

وهذه التنظيمات لها ثلاثة أقسام تبعًا لولائها

الأول: هو مقاومة خالصة، ولاؤها للقضية الإسلامية فقط، ولكن غالبًا ما تنجح الولايات المتحدة في استثمار أي نجاح تحرزه في مواجهة عدو آخر.

الثاني: مقاومة تم إعدادها بشكل سري، ذات طابع إسلامي خادع، وهي شديدة الولاء للخارج، وهي الأشد خطرًا، والتي تكلمت عنها سابقًا.

الثالث: مقاومة تم تدريبها بشكل علني، للتغطية على النوع الثاني، تحت مسميات عدة ووصفها بمقاومة مشروعة، لتحظى بتأييد دولي، مما يؤهلها لسدة الحكم في المرحلة الأخيرة من الصراع، وقد يستقطب فيها الضعاف «النطيحة وما أكل السبع» من القسم الأول.

هذه الأقسام الثلاثة موجودة في الحرب السورية، وكما قلت فإن الولايات المتحدة، تعول أكثر على القسم أو النموذج الثاني، في صناعة الفوضى في المنطقة العربية، ومن ثم إلى تفتيتها، فيما سمي بالربيع العربي، وبعد أن تقلد «الإخوان» سدة الحكم، لم يكن يراد على الإطلاق أن يمر الأمر بسلام، فإستراتيجيات التفتيت لم تكن غائبة للحظة واحدة، بل كانت تعمل على قدم وساق؛ فقد كان يراد لبعض التيارات الإسلامية «القسم الأول» ومن هم في سدة الحكم الدخول في صدام متبادل، لما بينها من اختلافات واضحة، ولم يكن يتوقع ذلك على مطلقـًا، من قبل الولايات المتحدة.

وسواء وجد الإخوان في السلطة أم لا، فإن البديل «القسم الثاني» على أتم الجاهزية في أي وقت ليقوم بتلك المهمة، لكنه لن يكون وحده في تلك المرحلة، بل ستنتفض الخلايا النائمة من الشيعة في كل قطر عربي، وبالأخص في دول الخليج، بشكل غير معلن، يديره الخارج مع إيران، وعلى دول الخليج أن تعلم أنها لا تمتلك أية مقومات لصد الهجمة الشرسة التي سوف تحيق بها الآن، وقد كان لديها قوة المذهب في محيطها الإسلامي، الذي تآكل لعدم وجود رؤية مستقبلية، وبسبب الثقة المفرطة في الأمريكان، الذين باعوها لإيران، ليس بثمن بخس، وإنما بتفتيت المنطقة، ما تزال الورقة الأخيرة التي يمكن أن تلعب بها السعودية، للالتصاق بمحيطها الإسلامي هي إصلاح الداخل مع علماء المذهب، ولا ضير من إعلان ذلك في مواجهة الزحف الشيعي، الذي كثيرًا ما يهدد به الإيرانيون، بعيدًا عن الذرائع الأمريكية، التي تختلقها الآن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد