إنَّ المُنعرَجَاتِ الكَبِيرَةَ التِي تحدُثُ فِي تاريخِ الجماعاتِ البَشَرِيّةِ عادَةً ماَ كانَتْ الجَماهيرُ الشَعبيَّةُ مُحرّكهَا والنُخبةُ المثقَّفُونَ بوصلتَهَا إلَى غاياتِهَا العُليَا. فالمُثَقّفُ هُو الدَّلِيلُ إلَى الوجهةِ التِي يجِبُ أنْ تسيرَ إليهَا القُوَّةُ الشعبِيَّةُ.

 

وهذَا لمَا يتوفَّرُ عليهِ مِنْ مَزايَا ترفعُهُ معرِفيًّا وأخلاقِيًّا علَى غيرِهِ وتجعلُهُ أقدرَ على النظرِ بعيدًا فهوَ منْ جهةِ المعرفَةِ حامِلُ رؤيةٍ وموقفٍ ومنْ جهةِ الأخلاقِ حاملُ قضِيّةِ نزيهَةٍ وميثاقِ شَرفٍ يكُونُ بمقتضاهُ أهلًا لآداءِ دورِ المُرشدِ لأنَّ الثورةَ لا تبقَى فِيِ الشّارعِ طَويلًا إلّا انقلَبتْ إلَى فوضَى أوانحَسَرتْ ونقلُها منَ الشَّارعِ إلَى موائدِ النقاشِ لتُصبحَ مَشاريعَ للغَدِ هوَ بالضبطِ نقلُهَا منْ حلبةِ معرَكَةِ التحرّرِ إلى حلبةِ معرَكةِ التأسيسِ والبِناءِ.

 

إنَّ هذَا الدور الجوهرِيّ الذِي ينهضُ بهِ المُثقّفُ فِي الثورةِ هوَ ما نبّهت عليهِ الكثِيرُ منَ الأدبيّاتِ الفلسفيّةِ على وجهِ الخصوصِ ولعلَّ أهمّ مفاهيمِهَا مفهومُ المثقّفِ العضوِيِّ المندمجِ فِي مشاكِلِ مجتمعهِ ضدًّا للمثقّف التقليديِّ المنعزلِ عنهَا، والنظرُ فِي الثورةِ التُونسيّةِ باعتبارِهَا أولى الثوراتِ العربيّةِ وأشدها تماسُكَا حدَّ اللَّحظةِ يكشفُ لنَا أنَّ هذهِ النُخبةَ المُثقّفَةَ كانَتْ فِي أغلبِهَا ذاتَ أدوارِ مُضادّةِ لما عرضناهُ في سابقِ الحدِيثِ حيثُ أنَّهَا، إلّاَ فِئةً قليلَةً، كانَتْ تَعملُ علَى عرقلةِ مسارِ الثَورةِ وإنهاءِ أحلامِ الشّعبِ فِي التَحَرُّرِ.

 

وأهمُّ مَنْ يُشكِّلُ هذهِ النُخبةَ فِي العُمُومِ جُملةٌ منَ الأكاديمييّنَ الجامعييّنَ حملةِ المعرِفةِ والفنّانينَ حملةِ الموهِبةِ الذينَ تدَاولُوا مواقعَ مُختلفةً داخِل المؤسسّات العامّةِ. وقد توزّعت أدوارُهُم إلَى ثلاثةِ قبل الثورةِ وأثناءَها، حرسُ النّظامِ وخدَمُهُ من المرتزقةِ والمُتسلَّقَةِ: هؤلاءِ مِنْ ورثةِ الاستعمَارِ المُبشِّرونَ بحداثَةِ الانسِلاخِ. كانُوا أيّامَ سيادَةِ الاستبدَادِ فِي صفِّ النّظامِ يعملُونَ علىَ تلميعِ صُورتِهِ فِي الداخِلِ والخَارجِ بالالتِفافِ حولَهُ ومُبارَكَةِ سطوتِهِ ومُناشَدَتِهِ لمُواصلةِ مسيرَتهِ فِي إذلالِ الشّعبِ ونهبِهِ.

 

وكانَ ذلكَ لقاءَ الحصُولِ على بعضِ الامتِيازاتِ المادّيةِ والصُّعُودِ إلى جُملةِ منَ المواقعِ أو بسبب الخوفِ منَ غضبِ ولِيِّ العَصَا. وهُم أغلبيّةٌ ساحِقةٌ مبثُوثةٌ فِي المنابرِ الإعلاميّةِ والجامعاتِ ومؤسّساتِ الثقافةِ الرسميّة لينتِجُوا مشروعًا ثَقافيًّا هدَفُهُ السيطرةُ على الشّعبِ وإخضاعُهُ وانتزاعُهُ منْ منابتِهِ الثقافيّةِ وزرعُ الطاعةِ فيهِ ليسُهلَ انقيادُهُ ويطمئنَّ النّظامُ لاستكانتهِ المزمنةِ.

المُحايدُونَ: وأكثَرُ هؤلاءِ يفتقِرُونَ إلىَ أضعفِ الإيمانِ بِقَضايَا الشَّعبِ ولا يتحدّثُونَ فيهَا إلّا تعميمًا أو تهويمًا، فمِنْهُم منْ يهتمُّ بطرحِ مشاكلَ ليسَت مشاكلَ مجتمعِهِ أو تزييفِ طرحِ المشاكلِ بإلقاءِ الملامِ فِي نكبةِ الأمّةِ علىَ المواطِنِ الطالحِ دُونَ أنْ يشيرَ إلى الدولةِ التِي تُصنِّعُ نُسخًا متطوّرةً منهُ، ومنهُم مَنْ آثَرَ الابتِعادَ عنْ مزالِقِ المهالكِ فاختارَ الاختباءَ فِي أنفاقِ الدراساتِ الأكاديميّةِ بعيدًا عنِ الرّاهِنِ الذِي يمسُّ حياةَ النّاسِ منْ قريبٍ أو بعيدٍ فتجدُ أنَّ أحدَهُم يكتُبُ والبلدُ فِي أوجِ القمعِ والمسغبةِ عن جماليّة الموتِ في روايات ياسوناري كاواباتا في اليابان ويغض الطرف عن قبح الموتِ تحت نافذتهِ.

الثائرونَ: وهؤلاءِ فِئةٌ قليلةٌ كانَتْ أيّامَ الاستبدادِ مقمُوعةً مادِيًّا ومعنَويًّا، وتضُمُّ منْ أصحابِ المعرِفةِ والموهبِةِ ثلَّةً لمْ يذع صيتُها بما يكفِي لأنَّ سوقَ الثقافةِ يُديرُهُ خدمُ النظامِ ولا تُروَّجُ فيهِ إلَّا بِضاعةُ مرّتْ على عينيهِ فختمَ عليهَا بختمِ القبُولِ أو منعهَا.

 

والحقيقةُ أنَّ هذهِ الفِئةَ الأخيرةَ دُونَ أختيهَا السابقتينِ هيَ التِي سايَرتْ الثورةَ فِي الشّارعِ بمعاركِهِ المادّيةِ أو فِي فضاءاتِ النقاشِ بمعاركِهَا الرمزيّةِ وكانَت ورثةَ الأنبياءِ في الإرشادِ والإصلاحِ وكانتْ مستعدَّةً للتنازُلِ عنْ بعضِ قناعَاتِهَا التي خطّأتها الثورةُ لتَكُونَ فِي قيمةِ اللحظةِ التاريخيّةِ دونَ أنْ تشعُرَ بالغيرةِ علَى عقائدِها الأيديولوجيّةِ التي لم تستطعْ أن تُفَسِّرَ ما يحدُثُ منْ تغيُّرِ فِي البلدِ.

 

في حينِ كانت الفئاتُ الأخرى تستميتُ في الدفاعِ عن هذهِ العقائدِ بل إنّ منها مَنْ تحوّلَ منْ حيادِهِ إلَى معاداةِ أيّ تغييرِ جذرِيِّ قد يُفضِي إلى إعلانِ موتِهِ رمزيًّا ونهايةِ المُثقّفِ التقليديِّ الذِي لا يملكُ منْ أدواتِ التحليلِ سوَى تصوّراتِ دغمائيّةِ سلفيّةِ لا تقبلُ النقدَ، وهذا لعمرِي ما يجعلُهُم يُحاولُونَ المُحافظَةَ على القمعِ واستعادَةَ زمنِ الشُّعُوبِ المستكينةِ التي تبحثُ عندهم عنْ حقيقةِ الأمورِ لأنهُم في زمنِ الشُّعوبِ اليقِظَةِ بلا قيمةِ.

 

هؤلاءِ لمْ يؤمِنُوا بالثورةِ بعدُ، ورُبمّا لن يؤمِنُوا بها، الحقيقةُ أنَّ هذَا العرضَ لأدوار المثقّفِينَ في الثورةِ التُونسيّةِ وما يتقاطعُ منها مع أدوارهِم في بقيّةِ البلدانِ العربيّة التي قامت فيها الثورات أو تلك التي تنتظرُ يطرحُ سُؤالًا جوهريًّا: لماذَا يَكُونُ المُثقّفُ العرَبِيُّ سهلَ السُّقوطُ فِي شَركِ الولاءِ للأنظمةِ التي تُعادِي فكرتهُ عن الإنسانِ والحياةِ؟ لماذَا ليسَ للمثقّف مناعةٌ كافيّةٌ ليرفُضَ إغراءِ الأنظمةِ لهُ؟ لماذا ليسَ لهُ الإيمانُ الكافِي والشجاعةُ الكافيةُ ليكُونَ حيثُ يجبُ فِي صفِّ المسحُوقينَ وحملةِ رايةِ التغييرِ الجذرِيِّ؟

 

لماذَا يكُونُ مثّقفَ السّلطةِ بدل أن يكونَ مثّقفَ الأمَّةِ؟ هل القضيّةُ تتعلَّقُ بالمُثقّفِ ذاتِهِ أم تتعلّقُ بجملةِ من الظروفِ الموضوعيّةِ التي تفرضُ عليه أنْ يكُونَ عَدُوَّ الحُرّيةِ؟ يبقَى السُّؤالُ معلّقًا إلى مقالِ آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد