من بين الأسئلَة الأكثر تردّدَا حولي عندما ألتقي كُتّابًا في بدايَة مشوارهم، والتي أصادفها بين الموهوبين أو محبّي المطالعة والكتَابَة على حدّ سواء خاصة الكتابة الأدبيَة المتعلّقة بالقصَص، الخواطِر وحَتّى الروايَة هذا الجنس الأدبي الذي لاقى رواجًا في المدّة الأخيرة بالوطن العربيّ بين الشبَاب، استفسَارهم عن الطريقة المُثلى لتطوير قدراتهم الكتابيَة، كيف تكون؟ ولَم أجد طريقَة فعّالَة عَمليَة يوميَة في الآن ذاتِه تجدي نفعًا كتَدوين اليَوميَات، لكن لماذا تدوين اليَوميات تحديدًا؟

صَافح قلوبَ الناس بكلماتِك، بالطريقَة الأكثر تميّزًا!

حين أقول تدوين اليَوميات فأنا حتمًا لا أقصد كتابَة كل ما جرى على مدار اليوم في آخره – أتمنى أن تكون فهِمتَ هذا – بَل أن تمنح نفسَك فرصَة نقل أبرز ما يجذبك في محيطك إلى أوراقك البيضاء، ترسيخ الذكريات الجميلَة بأسلوب مُميّز ولَو في عبارة واحدة تصف بهَا اليومَ كاملًا بدلَ البقاء منكبًا على الدفتَر ساعة كاملَة تسردُ التفاصيل حرفيًا في نصّ طويل مملّ، أمّا تلكَ التي تستحق أكثر من عبارة وحتى تكون مبدعًا فعلًا، عليكَ اقتناصُ المشهد، الصورَة أو الشيء الذي يتغافل عنه الناس العاديُون والكُتّاب التقليديُون والمقلّدون، لا تكتف بوصف شروق الشمس وغروبهَا أو تجعَل زقزقة العصافير حدثًا مركزيًا في نصّك، تلكَ الأمور التي كتب عنها الأوّلون أهملها إذا لم تترك لمستك الخاصة تطفو للقارئ وتبهره ووتلك التي لم يتوقف المتأخرون من بعدهم عن الخوض فيها دعها جانبًا، الأمر يستحق عناءَ الكتابَة بلمسَة خاصَة وواضحة تختلف عن الآخرين وتميّزك عنهم حتى وأنت تكتب عن نفسيَتك ومشاعرك فكّر كيف تتجاوَز السخط والتذمّر عندما تكتب عن السوداوية مثلًا، باختصار اختَر ألفاظك بعنايَة وركّبها على مهل في مصفوفَة تبهر القارئ ويَقول عندَ قراءة العبارة: واو! وعندَ الانتهَاء من النصّ كيف فعَل هذا؟ وأنت عليك أن تتساءَل أيضًا، كيف أصِلُ إلى هذا المستوى؟

رُويدًا، رُويدًا قد يصير من الشغفِ جُنونًا!

أنت لا تتخيل كم سيكون مدهشًا أن تسيرَ في الشارع، تركَبَ الحافلَة أو تتوقّف عن القيَام بأي شيء فتغرق في صمت رهيب وتُتَمتِم حروفًا، تركّب جملة وتسند عبارة إلى أخرى!

في تلك اللحظة غالبًا ستفتضح بابَ الجنون على الكتابة، كأنك بوَاد عَبقر، لولا أن الزمن تجاوز فكرَة راجت وقتها أن الشاعر يردّد قولًا يوحي به شيطانٌ يتحدّث على لسانه أو جان، الأجمل مع كلّ هذا أن تقرأ أكثر ويُصبح في يدك سلاحان، تقرأ وتكتب وسلاح آخر يأتي بعد حين، هو من يجعلك تدرك الخطأ من الصواب ممّا قرأت وفيمَ تكتب.
في مرحلة ما ستمزج بين محيطك، يومياتك والعالم الذي قرأت عنه، وتكون كاتبًا! عندمَا يصبح لمحيطك دور في إلهامك وخلق شخصياتِ قصصك بعد أن كنتَ تدوّن يومياتك ببساطَة انتقلتَ إلى اختزالها في عبارة، ثمّ توسيعها في نصّ مميز، فالوصول إلى جعل مكان وزمان ما حيّزًا تعيش فيه الشخصيات التي قمت بخلقها فيه، مُتَسوّل الشارع، أستاذ الفصل، زميل القسم، شيخٌ في المقعد المقابل بالحافلَة، الجارة الشمطاء والأخرى الكريمة وغيرهم ملامحهم، تصرفاتهم، انطباعاتهم، أسلوب عيشهم، وكلّ هذا سيكون نُصبَ عينيكَ، ليسَ كحارس يراقب الناس، بل كمصوّر يلتقطُ من زاويَة معيّنة صورة ليست كغيرها من الصور على حقيقة الواقع بلمسَة من جمال!

فهل تساءلت في خضمّ كل هذا من سيقرأ لك ليعرف ماذا كتبت إن كان جيدًا؟

نصيحَة مجّانيَة!

يتوجّه البعض بعد كتابة شيء إلى آخرين مشهورين من كتّاب انتفخت ذواتهم أو مشغولون جدًا، يقفون عندَ بابهم طلبًا منهم أن يقرأ هذا الكاتب نصّه، لا أنصح بهذا بتاتًا لأنه غالبًا لن يتفرّغ لك أو يقرأ نصّك، وإن أبدى لك هذا.

ذات يوم التقيتُ كاتبًا أخبرني عن عدد النصوص التي تصله ليقرأ لهم، كان صريحًا معي، قال: أمرّ سريعًا على النصوص وأعطى انطباعًا بسيطًا دون أن يشعر المرسل بذلك، كم نص ستظلمه بهذه الطريقة، والذي هو مولودك وخاصّتك وملكك رمَيت به إلى شخص آخر لم يعطه كامل الوقت ونصيبه من الاهتمام!

لذلك دع مسألة اختيار القرّاء جانبًا، حتى أولئك المبتدئين والهواة الذين بدأ أغلبهم الكتابة حديثا قد يتحرّك شيء ما في داخلهم ويعبث برأيهم ويقصفون النصّ بما فيه بقولهم: لا بأس به.. جميل نوعًا ما.. وغير ذلك، هذا القول وارد إذا لم يقلها صراحة: نصّ بسيط، لم يعجبني.. ليسَ.. وإذا طلبت نقدًا بناء، احتجّ لك أنه غير متفرّغ للأمر… فأيّ حلّ قد ينفع مع كلّ هذا؟

مِحنة الارتيَاب وقوّة الحديث في نصّ ما

عندما تتجهّز بعتاد اللغة وتملك فكرة سليمة ثم تباشر بالكتابة عنها، مدركا ما هو قادم من جلد وتبريك، اصطدام وعناق، إعجاب واشمئزاز وغير ذلك، ستتجاوز بعد حين خوفك من المستقبل إذا كان نصّك يستحق النشر أم لا، قرأت لكاتب سيناريو معروف من المشرق عن خوفه رغم شهرته قبلَ عرض مسلسل لأنه أدخل نوعًا جديدًا وتعمق في الحبكة ونسج الأحداث، لكن المسلسل أحدث ضجّة وحقّق نجاحًا باهرًا، هذا المسلسل كان سببًا في إعادة إحياء مجد الرواية المقتبسة منه ونظر إليها القراء بطريقة مختلف، جاءت متأخرة، لكن أعادت إليها حقّها ومكانتها فلماذا قد تودّ أنت في أول الطريق استعطاف الناس من حولك من أجل نص كتبته أو تحبّبهم فيه؟!

هذا ليس طبق معكرونة تسأل عن الملح واللذة، ليس لباسًا ترى كم هو مناسب لأحدهم ومقاسه يوافقه أم لا!

إنه نصّ تضغط على نفسك بقوة وتعتصر عقلك كي تكتبه، قد يجيء بمفاهيم لمَا ذكرته أولًا لذيذًا يستسيغه القارئ، أو حامضًا كحبّة الليمون، تحتاج إضافة بعض الأشياء؛ مهلًا! نحنُ نتحدث عن نصّك!

نصك يحتاج تلك الأشياء المُسمّاة قراءات (بعاطفة وبدون عاطفة) ، نظرة ممن يعرفونك وممن لا يعرفون من أنت، ممن يتفرغون له كي يقدموا نقاط القوة فيه والضعف،  اِجمع ما يقولونه من آراء وقس بنفسك إلى أي مدى الآراء التي قِيلت صحيحة، مناسبة وقوية، ابحث بعدها عن آراء نقدية وخذها كي تتطور، هل هذا كافٍ؟

الكتَابة كالحُب وحده لا يكفي، في علاقتك بالورق!

يمكنني إضافة شيء هنا؛ إيّاك والأخطاء الإملائية، لن يغفر لك أحد تدنيس الورقة، هنا تكمن أهمية القراءة ولك أن تلاحظ كم هو متراكب متكامل الأمر وجميل يمُارس بشغف وحبّ، لا أظنّك ستكون سعيدًا بمواجهة حكَم يفتّش عن خطأ ولو بسيط، عن زهرة ذابلَة وسطَ حديقَة غنّاء زااهيَة بالجمال والفراش وذنبكَ أنه أهمل الجميلَ وتوجّه إلى ما يغريه.
هاك وجهة نظر أخرى، احتفظ بيومياتك  التي تدونها لنفسك – لَم أنسَ ما بدأنا به فلا تنسَ – قد تحتاجها ذات يوم حين تصبح كاتبًا كبيرًا مشهورًا لتدوين سيرتك ومذكّراتك كشاهد على العصر ونفسك، ماذا تنتظر؟

هيّا انطلق القطار لن ينتظرك.

اقرأ كثيرًا، تأمل أكثر وتَخيّر ما تكتب عنه وما تقرأه بعناية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, ثقافة, كتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد