مُنْذُ أَنْ بَدَأْتُ أَعِلْم بِوُجُودِكَ –يَوْمًا مَا– عَلَى أَرْضِنَا الْعَرَبِيَّةِ التي تَشَرَّفَتْ بِلَمْسِ قَدَمِيِّكَ الشَّرِيفَتَيْنِ عَلَيهَا وَأَنَا عَلَى يَقِينٍ أَنّكَ تُطِلُّ عَلَينَا مِنَ السَّمَاء لِتَطْمَئِنَّ عَلَينَا، وَعَلَى تعَاليمِكَ التي جَاهَدْتُ لِكَى تَصِلَ لِلْعَالَمِ أُجَمِّعُ مُنْذُ ألْف وَأربَعمِائةِ عَامٍّ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَإِنْ كُنْتِ لَا تَنَظُّرُ إِلَينَا، أَسْأَلُ اللَّه أَنْ يَسْمَعَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ وَهُو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، كَمَا أَسْأَلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِمَا أَبْتَغِيهِ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ بِاِسْمِكَ الشَّرِيفِ.

كُلَّمَا اِقْتَرَبَ يَوْمُ مَوْلِدِكَ، تَتَزَاحَمُ مِحَالُ بَيْع “حَلَاَوَة الْمُوَلِّدِ” لِتُشْتَرَى بِغَيْرِ حسَابٍ، وتَنتَهى مِنْ مَنَافِذ بَيْعِهَا لِمُجَرَّدِ الْاِحْتِفَالِ ولَيْسَ اِحْتِفَاءً بِمَوْلِدِكَ الْكَرِيمِ.
كَلَمَّا اِقْتَرَبَ يَوْمُ مُوَلِّدِكَ، تُذَاعُ الْأَفْلَامُ وَالْأَعْمَالُ الدِّرَامِيَّةُ التي تَسْرَدَ هجرتُكَ وَاِضْطِهَادُ مَكَّة لِدَعْوَتِكَ وسِيرَ صَحَابَتُكَ رَضِيَ اللَّه عَنهُمْ وَأَرْضَاهُمْ التي يَمْثِلَ شَخْصِيَّاتُهَا عِبَاد اللَّه، فَلِرُبَّما نَتَعَلَّقُ بِهُمْ أَكْثَرُ مِنْ تَعَلُّقِنَا بِكَ وبِصَحَابَتِكَ.

كَلَمَّا اِقْتَرَبَ يَوْمُ مُوَلِّدُكَ، يَتَهَافَت الْجُمْهُورُ عَلَى تَذَاكِر حَفْلَاتِ الْاِحْتِفَالِ بِهَذَا الْيَوْمَ لِيَتَغَنَّوْا لِبِضْعَةِ سَاعَاتٍ مَعَ أَصْوَات رَقيقَةِ تَنَشُّد الْأَنَاشيدِ في جِمَالَكَ وطُيِّبَ ريحِكَ وَأخْلَاقِكَ الْكَرِيمَةِ.

كَلَمَّا اِقْتَرَبَ يَوْمُ مُوَلِّدِكَ، نَبْتَهِجُ لِأَنّهُ إجازة رَسْمِيَّةٌ، نَأْخُذُهُ رَاحَة مَنِ الْعَمَلَ الذي تَعْلَمَنَا مِنكَ أنْهَ عِبَادَةٌ، فَنَسْتَقِرُّ في مَنَازِلَنَا، نَأْكَلُ حَلَاَوَة الْمُوَلِّدِ، نُشَاهِدُ فَيَلُمُّ “الشيماء”، ثُمَّ يأتي اللَّيْل لِنَذْهَبُ إِلَى اِحْتِفَالِيَّة الْمُوَلِّدِ النبوي لِنَسْتَمِعُ إِلَى “يا رَسُول اللَّه أَجْرِنَا.. الْغَوْثُ رَسُول اللَّهِ”.

نِعْمَ يا رَسُول اللَّه، أَنْتَ غَوْثنَا، وَنُطَمْئِنُ بِشَفَاعَتِكَ التي وَعَدَّتْ، وَحُبَكٌ لَنَا الذي أَعَلَنْتِ، لِذَا وَجَب عَلِيَّنَا الْقَوْلِ “سيدي يا رَسُول اللَّه.. الْعَفْو مِنكَ”.

سيدي يا رَسُولِ اللَّهِ، إذاَ سُئِلَتْ أُمَّتُكَ عَنكَ، عَنْ أخْلَاقِكَ، عَنْ عَدَدِ زيجَاتِكَ وَأَسْبَابِهَا، عَنْ عَدَدِ أَوْلَاَدِكَ، عَنْ مَوَاقِفٍ مِنْ حَيَّاتِكَ، لَنْ يَرُدُّ إلا الْقَلِيلَ، وَمَعَ ذَلِكَ إذاَ سُئِلُوا مِنْ أَعَظْمِ مِنْ أَنَجُبَتْ الْبَشَرِيَّةُ سَيُسْرِعُونَ بِالْإِجَابَةِ “مُحَمَّد بُنِّ عَبْدِ اللَّهِ النبي الأمي، رَاعَي الْغَنَمُ الذي تَنَّزَلَ الْوَحَى عَلَيهِ وَهُو في الأربعين مِنْ عُمَرهُ بِغَارِ حِراءِ”، وَلَكِنَّ لِمَاذَا؟ لَا يَعْلَمُونَ.. فَقَدْ فُطِرُوا عَلَى حُبِك.

فَالْعَفْو مِنكَ يا رَسُولِ اللَّهِ، اُعْذُرْ لَنَا جَهْلُنَا بِشَخْصِكَ الْكَرِيمِ وَقُلَّةِ مَعْرِفَتِنَا بِسيرَتِكَ الْعَطِرَةِ، اُعْذُرْ لَنَا حَبُّنَا لَكَ مِنْ دُونَ مَعْرِفَتكَ.
فَحَبَّ الْأُمُّ فَطُرَّةٌ، وحَبَّ الْأَبَ فَطُرَّةٌ، فَالْأوْلَى أَنْ يَكُونَ حَبُّكَ الْفطرةِ.

سيدي يا رَسُولِ اللَّهِ، اِغْفِرْ لَنَا اِتِّخَاذُ قُدْوَاتٍ غَيْركَ، وَاِتِّخَاذ صَدِيقِ لِلدَّرْبِ غَيْركَ، اِغْفِرْ لَنَا عَدَمُ الرُّجُوعِ لِجَوَامِعِ كَلِمِكَ؛ فوالله إِذَا أَلِمَمِنَا بِأَحَادِيثِكَ لِاِسْتَقَامَتْ الْكَثِيرُ مِنْ أُمُورِنَا، ولاطمئنت أَفْئِدَتَنَا أَنّنَا عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ.

اِغْفِرْ لَنَا يا رَسُول اللَّه، فَقَدْ كَادَتْ الْأَنَاشيدُ التي تَتَغَنَّى بِكَ أَنْ تُكَوِّنَ الْوُصَلُ بَيْننَا وَبَيْنكَ.

الْعَفْو مِنكَ يا سيدي يا رَسُولِ اللَّهِ.. فَلَمْ نَكنْ خيرَ مَثَّال لِتَمْثيلِ أُمَّتِكَ، لِقَدْ اِسْتَفْحَلَتْ الْفتنةُ وَالْخِصَامُ بَيْننَا حَتَّى قَاتِلنَا بَعْضنَا الْبَعْضَ، وتَكَاثَرَتْ الْمَذَاهِبُ عَلَينَا حَتَّى أُوقِدَتْ نَارُ الْفتنةِ وَلَمْ تَخْمَدْ.. لَنْ يُخْمِدَهَا غَيْرُكَ يا سَيِّدَنَا، أَلَنْ تأتي لِلصَّالِحِينَ في هَذَا الْعَصْرَ بِالْمَنَامِ وتُوحَي لِهُمْ بِجُمْعِ شِمْل هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمِسْكِينَةَ؟

الْعَفْو مِنكَ يا رَسُولِ اللَّهِ.. لَمْ نَسَعْ لِفَهْمِ كِتَاب اللَّه الذي تُحُمِّلَتْ مَشَقَّةُ الْهجرةِ في سَبِيلَهُ، وقُدَّتْ الْغِزْوَاتُ مِنْ أَجَلِهِ، وَتَأَلَّمَتْ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَصُلُّ إِلَى أَيَدَيْنَا. اُعْذُرْ لَنَا نُكْرَانَنَا لِجَمِيلِكَ عَلَينَا.

الْعَفْو مِنكَ يا رَسُولِ اللَّهِ.. فَقَدْ تَرَكَنَا مِنْ يَجَهَلُكَ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنكَ، فَتَارَةَ يَفْتَري الْكَذِبُ عَلَى أخْلَاقكَ الْمثلَى، وَتَارَةَ يَتَجَرَّأُ أَنْ يَرْسُمَ وَجْهُكَ الْمُشْرِقِ في صُوَرٍ حَاشَاهُ أَنْ تُمَثِّلَكَ. نَحْنُ مِنْ تَسَبُّبِنَا في هَذَا، نَحْنُ مِنْ أَسَأْنَا لَكَ وَأَسَأْنَا لِهَذَا الدِّينَ. نَحْنُ مِنْ عَلَقِنَا بِأَذْهَانِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ أُنَّ الْإِسْلَامُ عُنْفٌ، وَأَنَّ الْمُتَدَيِّنَ لَا يَعْتَرِفَ بلغةُ غَيْر لُغَة الْقتَالِ وَإِرَاقَة الدِّمَاءِ.

اِغْفِرْ لَنَا تَفْرِيطُنَا في أَرَاضِينَا الْعَرَبِيَّةِ، اِغْفِرْ لَنَا تَفْرِيطُنَا في لَغَتْنَا الْعَرَبِيَّةُ.

يا اللَّهِ، فَلَتَجْعَلَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ الْهادَي مُحَمَّدَ يَطَلَّ عَلَينَا وَلَو بِرُؤْيَةٍ وَاحِدَةٍ نُطَمْئِنُ بِهَا أَنّكَ راضٍ عَنَا، وَاِهْدِنَا إِلَى صِرَاطِكَ الذي أَنَعْمْتِ بِهِ عَلَى غَيْرُ الْمَغْضُوبِ عَلَيهُمْ، وَاِقْسِمْ لَنَا صَدَاقَةُ الرَّسُولِ الْغَيْبِيَّةِ.

وَفَّي الْخِتَامُ أُقَوِّلُ: سيدي يا رَسُولِ اللَّهِ، قَدْ نُكَوِّنُ مُقَصِّرِينَ خَطَّائِين، وَلَكِننَا أَحْبَبْنَاكَ وَبَايَعْنَاكَ، لَعَلَّ إيمَانَنَا بِكَ وبخطاك وَبِالْكُتَّابِ الذي أَنَزِلَ عَلَيكَ مَنّ ألْفِ وأربعمائة عَامَ مِنْ دُونَ أَنْ نراك يَكُنُّ شَفِيعًا لَنَا.
اللَّهُمُّ تَقَبُّلٍ هَذَا الرِّسَالَةَ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد