السينما لم تُوجد ليُكتب عنها وتُبسط عنها السطور وعن حالاتها، السينما يستوعبها ويتضمنها صانعوها ومشاهدوها.

لا يتعلق الأمر فقط بتسلسل ضُمنت خلاله مجموعة من الأحداث ليسبق بعضها بعضًا بينما يلي بعضها الآخر، منقولٌ ذلك التسلسل من خلال عدسة مصورين مصوغة برؤية مخرج وتصور في رأسه، ورؤياه لورق كاتب ومُشكَّلاته من شخوصٍ وحوارات ومُسودات قد دُفع في عملية تحويلها إلى هيئتها الأخيرة ملايينا لتخرج على ما خرجت عليه.

التوقف عند التصور السابق يجعله سطحيًا، بدائيًا، وربما ساذجًا.

ربما لن أستطيع نفي التصور السابق بذكر نموذج أوحد وتعريف «يُقَولِب» السينما بكل ما يمكن أن تستوعبه.

قال المخرج ديفيد فينشر إن كل منا يجب أن يكون محيطـًا بما يعمل عالمًا به، وأنه يتقاضى أجرًا نظير ذلك.

أما عن وظيفته فقد قال نصًّا «My job is to know what I want»
أعتقد أن تعريف فينشر لوظيفته يخلق من الأبعاد المعمي عنها صاحب الرأي الأول ما يكشف شيئًا بسيطـًا من تعقيد الأمر.

كاميرا إينياريتو وما يظل معلقـًا لا مترسبًا أو طافيًا داخل الخواء الإنساني المزدحم، كلٌ واحد لا ينفصل، لا تزيغ عنه ولا تضل إليه السبيل تمامًا كما هو تعريف فينشر؛ فهي تعلم ما تبتغي أن يُرى ظله عليها.

انطلاقـًا من مدى الصعوبة التي تُكسبها ترادفية السينما وإجابة السؤال الذي حدده فينشر، فإن الأمر يزداد تعقيدًا عندما يُحدَّد مجال الإجابة ويترك للكاميرا البحث بداخله أو قل يُترك لها قدرًا من التيه يزداد باطراد مع زيادة شهية تلك الكاميرا للوصول لما هو أعمق، مجال الإجابة المشار إليه هو ما يحتويه كائن حي دابّ على هذه الصلبة في مستويات متفاوتة العمق من مكنونه.
عدسة إينياريتو دومًا ما ترى – كما هو عنوان أحد كتب نيتشه- إنسانـًا مُفرطـًا في إنسانيته.

قال المخرج الإيراني عباس كياروستامي:

«يقال «إن في البدء كانت الكلمة»، لكن بالنسبة لي كانت الصورة دائمًا هي البداية، عندما أفكر في الحديث فإنه دائمًا يبدأ بالصور»

وبالانتقال من بلاغة ما تُحدِّث به الصورة لدى كياروستامي إلى ما تنطق به الصورة عند إينياريتو يمكننا أن نقول إن صورة إينياريتو تسعى إلى تجاوز احتباسها داخل الإطار المربع للشاشة إلى غوص إلى أعمق ما تحتوي إنسانية المشاهد وهو غوص مسبوق بآخر مماثل فيما يخص المُؤدّي نفسه.

فهي صورة إما تثير هذا المحتوى وتجعله مضطربًا ضاربًا بصاحبه، أو إما تصور ذلك الاضطراب والحالة التي يتحول بها الممثل ناقلة الحالة خلالها – أي الكاميرا- إلى المشاهد.
لا تغادر تلك الكاميرا هذه الدائرة كثيرًا.

وبما أن ما يوصف الآن من تصور معاكس للساذج المذكور في البداية أنه يتوجب ذكر أن إينياريتو يفضّل غالبًا اللجوء إلي الـnon-linear narration أو أسلوب السرد غير الخطي، ربما يمكننا استحداث اصطلاح جديد هنا بالقول إن إينياريتو يلجأ إلى أسلوب سرد «دائري» أحيانا حيث يذهب بالأحداث إلى المشهد الأول في النهاية، ليكون أولى مشاهد الفيلم هو نفسه آخره كما لو أن مشاهدًا دارت – بالمعنيين، اللفظي والمعقول-  كما يدور القلم بين نقطة بداية ارتسام الدائرة إلى أن يلقي نقطة النهاية المكملة للدائرة.

اتبع إينياريتو ذلك الأسلوب في biutiful و 21 grams

أليخاندرو جونزاليز إينياريتو Alejandro González Iñárritu، مخرج مكسيكي تجاوز عقده الخامس تجاوزًا يتم ثلاثة سنوات في الخامس عشر من أغسطس القادم.

ربما آخر أفلامه وأكثرها شهرةً «the revenant» لم يكن سوى قمة المنحنى فقط، إلا أن فلسفة الرجل هي ما اعتاده منذ أفلامه الأولى وهي amores porres و 21 grams وbabel، الثلاثة المُطلق عليهم «ثلاثية الموت» ثم biutiful ثم birdman انتهاء إلى قمة المنحنى the revenant والذي لم ينل إجماعًا من مشاهديه – كمثل أي شيء- ولكن القسم الذي نجح إيناريتو في تضمينه خلال حالته السينمائية الفريدة كان مُجمِعًا على قدرة الرجل على تجسيد شيء ليس بمادي من الأصل، شيء يصعب تجسيده وأنه أخرج ملحمة من الشعور الإنساني ليس مجرد فيلم مصور.

لو أن أحدًا من هؤلاء شاهد لإيناريتو أحد أفلامه السابقة – باستثناء birdman صاحب الفلسفة الخاصة – ابتداء من الألفية الجديدة فإنه سيعرف أن الأمر ليس جديدًا وأن الرجل لم يغير فلسفته طيلة هذه المدة.

يُعد المكسيكي أحد أفضل مخرجي السينما هذه الحقبة حتى من قبل صعود اسمه منصات التتويج وذكره ما بعد العبارة المُشتهاة «and the Oscar goes to».

إينياريتو قد يعلم أن فلسفته ليست دائمًا فلسفة رائجة ومُعجَبًا بها، وربما تعمّد تمرير ذلك معترفـًا به خلال  birdman، حيث أشار في أحد عبارات الشخصية الخارقة لمُجسّدها كيتون أن الناس يسأمون الهراء الفلسفي الذي قد لا يلبي رغباتهم في مشاهدة قتل يشبع شيئًا ما تحتويه مكنوناتهم أو حركة تتلوها حركة ثم صدام يسد شرهًا ما بداخلهم.

إينياريتو وبعد ما ذُكِر هو أحد هؤلاء الذين تستطيع أن تميز ظلّهم على الشاشة، فإن كنت تشاهد أحد الأفلام المذكورة مسبقـًا دون سابق علم أنها لأليخاندرو فقد تتوقع ذلك، فما ذكِر عن فلسفة إيناريتو قد يكون أمرًا مميزًا له كما يتميز مثلًا تارانتينو بفلسفة خاصة ينطبق عليها القول نفسه أو كما يسهل تمييز ظل نولان على الشاشة.

إينياريتو كذلك له أثر واضح على أي من الممثلين الذين عملوا معه، وعلى سبيل المثال فإن الفيلم الأخير the revenant»» شهد ليو مختلفـًا تمامًا!

شيء ما مطوي تكشفه كاميرا إينياريتو جليًا داخل الممثل الذي يعمل معه.

ربما يرى بعض من جمهور ليو ممن كانوا ينتظرون الأوسكار الأولى لليو أنه ظُلم بمنحه الأوسكار عن هذا الدور تحديدًا، بينما كانت تستحق أدوار سابقة هذه الجائزة.

لم نخرج بعيدًا عن الموضوع، ربما ذلك المثال سيكشف الأمر المرنو إليه جيدًا، عمل ليو مع نولان في inception، ولكن البطل في inception كانت الفكرة، بطولة الفكرة كانت الطاغية على جميع ممثليها، ولم تترك مساحة للممثلين ليظهروا أي شيء لديهم نظرًا للأولوية التي تفرض نفسها بتوصيل الفكرة الدسمة للمشاهد وإن أتى ذلك على حساب «حبس» القدرات التمثيلية للأبطال التي أبت إلا أن تخرج في بعض مشاهد مورفي وليو.

مقارنة بما قدّم ليو في inception فإنه يتضح جيدًا أي أثر قد أضافه إينياريتو! كذلك الأمر مع شون بين في 21 grams، ومع نورتون في birdman وإن كان نورتون لديه ما لم يُعصِّ عليه دورًا حتى الآن، وبارديم في biutiful، والممثلة اليابانية رينكو كيكوتشي التي صعدت كل منصات التتويج عن دورها في بابل.

إينياريتو يعلم جيدًا كيف يستثير ما يريد أن يمرره خلال عدسته ويأتي به من أعماق الممثل.

لا يمكن إهدار دور الأدوات المساعدة التي تشكل إطار الصورة وماهيتها.

وأولى هذه الأدوات إيمانويل ليبوزكي.

تعَاوَن ليبوزكي صاحب الثلاثية الأوسكارية للـbest cinematography أو أفضل صورة/ تصوير سينمائي عن الأفلام gravity وbirdman وthe revenant، في الأخيرين  مع إينياريتو، وكانت رؤية ليبوزكي ذات أثر كبير على عدسة إينياريتو في الفيلمين، وبالطبع لا يمكن عدم ذكر الطريقة التي تم تصوير birdman والتي ربما لم تكن ظاهريًا إلا وسيلة للاستعراض.
لكن في الحقيقة أن الأمر لم يكن سوى مقطوعة من الفلسفة الموصوفة في البداية لذلك المخرج، حيث قال إينياريتو عن هذا الأمر:

«I had a discussion with Walter Murch, the editor, about whether our life is experienced as a handheld (shot), or if it’s experienced as Steadicam, the fluidity of it. And I realized that, at 50 years old, our life, everybody’s lives, is a continuous Steadicam shot. From the time we open our eyes in the morning, we are navigating our lives without editing. Only when there’s urgency are we in hand held mode. Editing time and space comes only when we talk about our life, or the way we remember our life. I wanted to slowly put myself in the continuous experience of somebody else without escaping.»
لم أرد أن أترجم النص وأذكره على أنه ما قيل على لسان المخرج؛ حتى لا تضيع ماهية بعض الألفاظ الجارية على لسانه باستبدالها بألفاظ أخرى.

ما أراد إينياريتو أن يقوله هو أن الطريقة المستخدمة لم تكن سوى محاكاة لما نعيش حقـًّا، مذ أن نفتح أعيننا إلى أن نغلقها ثانية مارّين بكل ما نمر به بدون «editing»، أو إجراء أية تعديلات، أو حذف أي من المشاهد.

تدور حياتنا كما لو أنها مصورة كمشاهد طويلة متصلة long shots، لا كمشاهد قصيرة معدلة حذف منها ما حذف وأعيد منها ما أعيد ثم جرى إلصاقه بالجزء المرضيّ عنه وعُدّل ألف مرة قبل أن يخرج.

قال ليبوزكي أيضًا إنه لم يكن يسعى لعمل فيلم ملفت للانتباه لمجرد اللاشيء متفقـًا مع إينياريتو مؤكدًا أن الأمر كان مُعللًا – بما سبق ذكره -.

ذكر ليبوزكي أيضًا أن صعوبة الـlong takes في فيلم يصنف على أنه فيلم كوميدي يُصعّب الأمر كذلك، وأن ما يزيده صعوبة هو أن الـedit في الـlong takes يتلخص في حركة الكاميرا وحركة المؤدي.

أحد أهم الأدوات التي تضيف لإينياريتو هو جوستافو ألفريدو سانتوللا «أو سانتوليا بالإسبانية».
موسيقى جوستافو موسيقي تساهم إسهامًا كبيرًا في نسج  تلك الحالة الموصوفة ابتداءً ونحت المآل الأخير التي تؤول إليه الصورة كمُصدّر لشعور/ مشاعر بعينه/ها.
جوستافو قام بتأليف الموسيقى التصويرية لـ amores porresو21 grams وbabel وbiutiful.
ويذكر أنه فاز بجائزة الأوسكار وجائزة الـBAFTA وكان مرشحًا للـ golden globeعن بابل.
هذا الثنائي لا يقل عن ثنائيات مثل سبيلبيرج وجون ويليامز أو نولان وهانز زيمر.

جوليرمو أرياجا.

إحدى الأدوات المُشكّلة للصورة التي يصوغها أليخاندرو، أرياجا هو مؤلف الثلاثية التي أطلقا عليها – أي هو وأليخاندرو- ثلاثية الموت، حيث ارتكزت الأفلام الثلاثة على الفقد.
علي اختلاف هيئة المفقود، ربما يرى بعضهم أن المراد كان موت «شخص» وما يليه، ولكن في بابل لم تمت الشخصية التي ظلت معلقة طوال الفيلم وماتت أخرى.

ربما الموت كان مقصودًا بمغزاه، انتفاء صفة الوجود عما يفترض أنه كان موجودًا، ربما دور كيكوتشي كان مشمولًا بلفظة «الموت».

وموت شيء ما تلي فقدانها أمها وفقدانها حاسة السمع.

ربما كان مقصودًا بالموت في 21 grams هو موت مُعتَقَد الشخص بداخله حين يُبني المُعتَقَد على رغبة في عصمة مطلقة وتمييز بمثابة منحة في مقابل الاعتقاد، وما يمحي تلك العصمة المبتغاة من مفردات الحياة وأحداثها.

أو موت علاقة نعومي واتس بشون بين أو موت علاقتها بزوجها في البداية.
اختلف جوليرمو مع إينياريتو بعد الفصل الأخير «بابل» ومضى إينياريتو لكتابة biutiful والمشاركة في كتابة birdman وthe revenant، وبغض النظر عن الخلافات فإن ما بقي هي ثلاثيتهم وما تكنه من ملحمة شعورية ذات ثلاثة فصول.

لا يمكن بأي شكل الحديث عن كل تلك الأفلام التي يمثل كل منها حالة مفردة  يبسط لها عدة مقالات.
ولكن ثمة ما سيُذكر لأنه يجب أن يُذكر.

1- اختيار الاسم «بابل» بما يعنيه عنوان لفيلم ذي أربعة ألسن اختيار عبقري لما وراء معنى الاسم من قصص.

2- قال اينياريتو عن تجربة بابل:

«Directing non-actors is difficult. Directing actors in a foreign language is even more difficult. Directing non-actors in a language that you yourself don’t understand is the craziest thing you can possibly think of. But I would do it again in a minute.»
وهو حقـًا الأكثر جنونًا ولكنه الـ«إينياريتو» صاحب اللغة اللاكلامية.

3- علاقة القَدَر والمُقدّر والمُقدّر له علاقة ذات ظل ثابت على عدسة أليخاندرو.

4- اختيار كيتون والمشابهة العبقرية بين ما انتهت إليه مسيرته العملية ما قبل التعاون مع أليخاندرو وقيامه بدور بروس واين في 1989 وما انتهت إليه مسيرة بطل birdman العملية قبل دخوله العرض المسرحي «what we talk about when we talk about love» كانت لفتة تحسب لهم.

والفيلم بأكمله من أفضل الأفلام التي يمكن أن تصف فكرة ليست شائعة في السينما أبدًا.
ولو أننا تخيلنا أننا نقوم بعمل فيلم عن السينما وصناعتها وصراع الممثِّل والمُمثَّل ونوعية الممثلين ومزاجية الجمهور فإننا قد نعجز عن إيجاد الطريقة التي سنصيغ بها فيلمًا مصورًا يسوق تلك الأشياء من خلال حبكة ما.

5- يحسب لإينياريتو أن birdman كان الفيلم الأول له الذي يصاغ بطريقة غير تراجيدية أو دراماتيكية، فقد كان ذلك بمثابة الخروج عن المألوف بالنسبة للمكسيكي.

وربما صاحب فضل كبير في نجاح ذلك الحيود عن المألوف هو إدوارد نورتون.

6- انتشرت عقب وفاته عبارة تنويهية استخدمها المخرج المصري المُتوفَي حديثـًا محمد خان في فيلمه «خرج ولم يعد» وكانت كالآتي:

«ربما كانت الشخصيات من الخيال ولكن ثق أن الأماكن من الواقع».

يعود إينياريتو دائمًا بالكاميرا إلى وطنه المكسيك وثقافته، يعود بكاميراه إلى شوارعها وأكثر أزقتها غرقـًا في الفقر ونطقـًا بثقافتها، وقد فعل في بابل وبيوتيفول الذي كان أول فيلم يخرجه إينياريتو بلغته الأم وفي وطنه بعد فيلم amores porres.

أفلام إينياريتو تتبع قانون الكل أو اللاشيء، بمعنى أن مشهد ما يتضمنه المقال مقتطع من أحد أفلامه قد يفقد كثيرًا مما يضيفه له موقعه من التسلسل.

لم يُذكر الكثير عن الجوائز، ربما لأن شخصًا يمكنه استيعاب ما وُصِف بداية لن يكن بأي شكل شخصًا شغوفـًا بالجوائز، إنما هو شخص شغوف فقط بالحالات السينمائية وما تنقله وتولّده به فقط.
وإن كانت الجوائز ذات أهمية لكثيرين، وإن كانت ذات أهمية لأغلب صناع السينما أنفسهم ولكنها أبدًا ليست المغزى المرميّ إليها.

السينما لا يُكتب عنها وعن حالاتها، السينما يستوعبها ويتضمنها صانعوها ومشاهدوها.
السينما كما قال إينياريتو الذي استفزنا لمناقضة الجملة القائلة بأنه لا طائل من الكتابة عن السينما والتي افتتحت المقال وأنهته هي امتدادات نفوسنا وانعكاساتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد